بقلم: د. عبد الحميد الغزالي
يخطئ من يتصور أننا نعيش أزهى عصور "الطهارة" و"النزاهة" و"التضحية" في مصر ومن أجل مصر، ويخطئ من يعتقد أننا لا نعاني من استشراء "الفساد" في كل جوانب حياتنا، ويدلل على هذا الاعتقاد الفاسد بالقول إن الفساد موجود في كل دول العالم، وفي كل فترة من فترات تطور أي مجتمع.
وهذا الدليل فاسد لأن كل الدول وكافة المجتمعات تقريبًا لديها من القوانين والسياسات والإجراءات ما يكفل معالجة ناجحة لهذه الآفة التي تهدد مسيرة التنمية والتقدم نحو حياة أفضل.
أما نحن فقوانينا وسياساتنا وإجراءاتنا ترسخ "ثقافة الفساد" وتعمل على توغله في جل إن لم يكن كل حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من حيث الفكر والتشريع ومن حيث السلوك والتطبيق لدرجة تهدد بموت السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة في مصر ومن ثم فخطر "موت الحياة" في مصر داهم وحقيقي بل قائم وقاتم!
وبعيدًا عن التقارير الدولية والإقليمية حول "الشفافية" و"التنافسية" والفساد، وبعيدًا عن التقارير الدولية حول التنمية البشرية والإنسانية والتي تسجل الموقع الخطير بل المزري والمخجل لمصر كما يعلم الجميع، فإن المواطن المصري "العادي" يعلم يقينًا تفاصيل ما وصلنا إليه من فساد، بل يئن في حياته اليومية من هذا "الغول" الذي ينمو نموًا سرطانيًّا فيهدد فعلاً لا مجازًا بتدمير الأخضر واليابس، وباغتيال البشر والشجر، فيقضي على مظاهر الحياة المجتمعية، ومن ثم ينذر بموت الحياة في مصر، وليست في حاجة إلى تعداد وتفصيل مظاهر هذا الخطر المحدق بنا جميعًا ابتداءً من الأغذية المسرطنة، والمنتجات المنتهية الصلاحية أو التي لا تصلح للاستهلاك الآدمي، ومن كوارث حريق بني سويف واغتيالات بني مزار واعتداءات كنائس الإسكندرية مرورًا بالقتل شبه العمد في حوادث القطارات والعبارات وانهيار العمارات وبالسلب والنهب للمال العام ومن خلال عملية الخصخصة والأداء المصرفي الرديء والاحتكارات الواضحة والفاضحة لمنتجات أساسية في الاقتصاد المصري وانتقالاً إلى ظاهرة أطفال الشوارع وبلطجيات الأحياء والمدن وانتهاكات أعراض بناتنا في وضح النهار ووسط العاصمة وانتهاكات الأمن المستمرة للحقوق الأساسية للمواطنين بعامة ولأبناء وأعضاء التيار الإسلامي بخاصة، وإلى التدني البشع لخدمات الصحة والتعليم والنقل والرعاية الاجتماعية والثقافية، وقانون أحزاب وقانون صحافة ولجنة أحزاب ومجلس أعلى للصحافة ومحاكم أمن دولة ومحاكم عسكرية لمدنيين محرومين من قاضيهم الطبيعي وإصرار على تزوير الانتخابات الطلابية والعمالية والمحلية والنيابية، وعلى السيطرة "الكاملة" على السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية من قبل مؤسسة الرئاسة والاغتصاب الفعلي والقسري للحكم واحتكاره لأكثر من ربع قرن، وخداع "الأغلبية الصامتة" العازفة عن الاشتراك في "مهزلة" الحياة العامة بوهم تعديلات تشريعية أو دستورية لا تهدف إلا لترسيخ الوضع القائم شديد التخلف وشديد التسلط والاستبداد!
مرورًا بكل هذا الفساد وانتقالاً إلى صوره البشعة وإصرارًا عليها وانتهاءً بتلوث كل شيء في حياتنا تقريبًا، تلوث سمعي وبصري، تلوث فكري ومادي، تلوث فكري من خلال إعلام وتعليم فاسدين ومفسدين، ومن خلال ثقافة تغريبية منحرفة، وتلوث مادي للأرض والنهر والبحر، للمياه والهواء، للمنتجات الزراعية ومنتجات الألبان والمنتجات الصناعية، بلا أدنى رقابة على الصلاحية، ناهيك عن الجودة، بلا رقيب أو حسيب، ثم تأتي الطامة الكبرى في عملية الاغتيال المنظم لحياتنا متمثلة في فضيحة "أكياس الدم الملوث"، والتي تؤدي وفقًا لتقارير المختصين إلى فشل كلوي وتسمم وسرطان، والتي تشير بشكل واضح وفاضح، كما تؤكد تحقيقات مباحث الأموال العليا، إلى "تلاعب وتدليس من المسئولين بوزارة الصحة، والذين تجاهلوا التحذيرات والتقارير الفنية الطبية من عدة جامعات مصرية، والتي تؤكد استحالة صلاحية هذه القرب للاستخدام الآدمي.."!
أما على الصعيد الدولي والإقليمي، فلقد أدت "ثقافة الفساد" التي يئن من توغلها مجتمعنا، إلى تراجع، بل تآكل مكان ومكانة مصر، وانحسار دورها في المنطقة، وفي العالم وتقلص هذا الدور لينحصر في القيام بمهام وأعمال "وساطة" ولا أقول "وكالة" عن الآخر بين المقاومين في منطقتنا وأعداء هذه الأمة من الأمريكان والصهاينة والأمثلة على ذلك عديدة ومحبطة كدور مصر الرسمي في القضية الفلسطينية بالضغط على "حماس" ومساندة "فتح وأبو مازن" لدرجة إمداده بالمال والسلاح وكدورها في القضية اللبنانية بتشجيع حكومة السنيورة بل تقديم الدعم إلى مجموعة "14 مارس" في مواجهة المعارضة عامة وحزب الله خاصة، ولدورها في قضية دارفور وقضية الصومال، وما يخطط لها في قضية العراق.
إذن نحن أمام نظام بسبب هشاشة اعتماده على الداخل وعدم استناده إلى قاعدة شعبية حقيقية لدرجة الخصام أو عدم الاكتراث أو حتى العداء-نتيجة الفساد- يستقوي بالخارج على الداخل لضمان استمراره في اغتصاب السلطة واحتكار الحكم ومن ثم ينفذ ما يطلب منه إن لم يكن أزيد لتحقيق هذه الغاية!
وبعد فالمواطن المصري لا يجد كوب ماء نظيف ليشربه، ولا يجد رغيف خبز نظيف ليأكله، ولا يجد خدمة صحية أو تعليمية أو تثقيفية أو اجتماعية تليق به كإنسان ويعاني من حالة فقر حادة إذ بلغت نسبة الفقر المدقع أي من يتعيش على دخل فردي يومي أقل من دولار أمريكي من السكان، ما يقرب من خمسين في المائة (50%) من مجموع السكان البالغ (75) مليون نسمة ونسبة الفقراء أي من يتعيش على دخل فردي يومي أقل من دولارين من السكان، وأعلى من دولار حوالي ثلاثين في المائة (30%) أي أن الفقر في مصر يقدر بنحو (80%) من مجموع السكان، ووصل حجم البطالة إلى ما يقرب من ثمانية ملايين شاب عاطل، وارتفع المستوى العام للأسعار إلى نحو (15%) سنويًّا فبلغت أسعار منتجات ضرورية كالبصل إلى أربعة جنيهات للكيلو أما اللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك، فأسعارها أصبحت بعيدة تمامًا عن أحلام الثمانين في المائة الفقراء ويعلمها الجميع وليست في حاجة إلى إحصاءات فإذا أضفنا إلى ذلك رداءة الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع تكاليفها الشديد في الخدمات الصحية والتعليمية الاستثمارية ومشكلة الدروس الخصوصية، كنا أمام موت حقيقي وبطيء للحياة في مصر.
كل ذلك وبتفاصيله التي يعلمها الكافة يرجع في المقام الأول وأساسًا إلى ثقافة الفساد؛ الفساد السياسي، والفساد الاقتصادي، والفساد الاجتماعي، والفساد الثقافي والإعلامي، والفساد التربوي والتعليمي، والفساد الإداري والتنظيمي، والفساد القانوني والتشريعي.
ومن أبشع وأشنع صور الفساد.. الفساد الرئاسي، أي أن يظل النظام في فرديته وديكتاتوريته ثم يقدم بين الحين والحين برامج كبرامج بدايات الدورات البرلمانية، أو برنامج الترشيح للرئاسة، أو يقدم النظام بعض التعديلات التشريعية أو الدستورية التي لا تهدف إلا إلى ترسيخ الوضع القائم وضمان استمراريته والأمثلة على ذلك عديدة ومعروفة وممجوجة، كمد حالة الطوارئ وتأجيل انتخابات المحليات وتعديل المادة (76) من الدستور والذي مثل خطيئة دستورية ثم التعديلات الدستورية المقترحة الآن من الرئاسة والتي تشمل (34) مادة منها المادة (76) المعدلة ومنها المادة (88) التي تقترح عملاً إلغاء الإشراف القضائي على العملية الانتخابية ولم تمس هذه التعديلات المادة (77) لضمان أبدية الحكم في شخص الرئيس أو من سيورثه كما استبعدت هذه التعديلات "المستقلين" وحصرت ممارسة الحياة السياسية في الأحزاب، أي أنها استبعدت فعلاً وعملاً ما لا يقل عن تسعين في المائة (90%) ممن لهم حق الترشيح، والقصد من ذلك هو استبعاد "الإخوان المسلمين" الذين حققوا نسبة تقترب من (60%) ممن رشحوهم في انتخابات مجلس الشعب (2005) بحصولهم على (88) مقعدًا بينما حصل الحزب الوطني الديمقراطي على نحو (33%) بحصوله على (145) مقعدًا ثم كانت لعبة المستقلين على مبادئ الحزب الوطني وانضمامهم إلى الحزب على عكس رغبة من انتخبهم وذلك لضمان أغلبية الثلثين في المجلس ودخول الإخوان إلى العمل السياسي لتأكيد مبدأ المشاركة للإصلاح والتغيير وليس المغالبة، وبالقطع ليس استهدافًا للسلطة وإنما تحقيقًا لمبادئ الجماعة التي تصب في أن المخرج للوطن وللأمة يتمثل في العودة جملةً وتفصيلاً إلى شرع الله!
ثم يأتي تصريح السيد الرئيس ليدشن هذا الإقصاء الظالم، ويتوج هذا الاستبعاد الفاسد لفصيل من الشعب المصر، أثبت ثقله في الشارع السياسي المصري، وأثبت حبه وإخلاصه وتفانيه في خدمة شعبه، وهو فصيل الإخوان المسلمين، وليس أدلَّ على ذلك سوى العديد من المشروعات الاقتصادية، الإنتاجية والخدمية، التي أنشأها أعضاء من هذا الفصيل لصالح مصر ولصالح الاقتصاد المصري، بالرغم من المصادرة المستمرة للكثير من هذه المشروعات منذ الخمسينيات من القرن الماضي وحتى الآن، وبالرغم من أن علاقة أصحاب هذه المشروعات مع من يتعاملون معهم من رجال الأعمال بالداخل والخارج كانت وما زالت تتسم باحترام الاتفاقات التعاقدية والالتزام والكفاءة والشفافية، مما ساهم مساهمة إيجابية في مناخ الاستثمار لتشجيع رأسَي المالي العربي والإسلامي والأجنبي على المساهمة في هذه المشروعات.
كما قدمت هذه المشروعات آلاف فرص العمل لشبابنا مما يساعد على التخفيف من حدة مشكلة البطالة.
وبالرغم من ذلك يصرح السيد الرئيس- كما جاء في تصريحاته لجريدة (الأسبوع) ونقلتها جريدتا (الأهرام) و(المصري اليوم) بأن "جماعة الإخوان خطر على أمن مصر" وبأن صعود هذا التيار "يتسبب في هروب المستثمرين وتزايد البطالة وفرض العزلة على مصر"!!
وبالرغم من أن هذه التصريحات لا تستحق التعليق؛ لأنها تمثل افتراءً شديد الوضوح وتجنيًا لا لبس فيه على تيار يتسم بالوسطية والاعتدال بشهادة الرئيس نفسه في سنوات سابقة يعمل الكثير من أعضائه بجد وإخلاص على المساهمة الجادة في عملية تنمية الاقتصاد القومي وفي تشجيع رأس المال العربي والإسلامي والأجنبي وفي التخفيف من حدة مشكلة البطالة وفي الانفتاح المدروس على بقية دول العالم والعكس تمامًا لتصريحات السيد الرئيس هو الصحيح، وما صرَّح به يصدق تمامًا على فترة حكمه التي ناهزت ربع قرن، فخلال هذه الفترة الطويلة كانت وما زالت مصر من أقل دول العالم الثالث جذبًا للاستثمارات الأجنبية وخلال هذه الفترة تفاقمت مشكلات البطالة والإسكان والمرافق وخلال هذه الفترة زادت الأسعار بمستويات غير مسبوقة وارتفعت تكاليف المعيشة ارتفاعًا فاحشًا وتفاقمت مشكلة الفقر وخلال الفترة تقلصت بل تآكلت مصداقية ومكان ومكانة مصر في المنطقة وفي العالم.
فبربك يا سيادة الرئيس من هو خطر على أمن مصر نظامك الفاسد المستبد أم الإخوان المسلمون؟!
إن التصريحات التي صدرت من الرئيس تدخل بامتياز تحت ثقافة الفساد وتشكل بهذه الصفة إصرارًا على عدم الإصلاح وإصرارًا على عدم التغيير المأمول والمطلوب والممكن لصالح هذا البلد الحبيب الذي عانى الكثير والكثير ويستحق أن يحتل مكانه اللائق به بين الشعوب فإلى متى يظل النظام يستخدم فزاعة الإخوان داخليًّا وخارجيًّا لضمان استمراره في اغتصاب السلطة واحتكار الحكم؟! إلى متى يظل النظام يفتري على تيار كل تهمته أنه يريد أن يشارك بحب وإخلاص وجدية في تقدم هذا البلد ورفعته وفقًا للقانون والنظام العام؟! إلى متى يظل النظام يتجنَّى على التيار ويرميه بتُهَم لا تمتّ له بصلة، ولا تتسق أبدًا مع ما يؤمن به ويعتنقه من فكر وسلوك مؤسسَيْنِ ومستمدَّيْن من شريعتنا الغراء الكتاب والسنة.
إننا نهيب بالرئيس ونظامه أن يتصالح مع الإخوان المسلمين وأن يكف عن استخدام هذه الجماعة كفزاعة وأن يضع يده في أيدي كل القوى في مصر؛ لنحدث جميعًا التغيير الذي طال انتظاره لصالح هذا البلد، في حاضره ومستقبله بل لصالح أمتنا العربية والإسلامية؛ لأن مصر بمثابة القلب في الجسد العربي والإسلامي إذا صلحت صلح الجسد وإذا فسدت فسد الجسد ولنتذكر جميعًا قول الحق تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا كُوْنُوا قَوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِيْنَ﴾ (النساء: من الآية 135) وقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا كُوْنُوا قَوَّامِيْنَ للهِ شهداء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8)، وقوله جل من قائل: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: من الآية 49).