فهمي هويدي
من مفارقات هذا الزمان أنه في حين ينزلق العراق باتجاه حرب عبثية بين الشيعة والسنة، وتتواتر التقارير مشيرة إلى أن ثمة اصطفافًا عربيًّا مطروحًا، يقيم تحالفًا سنيًّا في مواجهة ما سُمِّي بالهلال الشيعي، وترشّح مصر لتكون أحد أعمدة التحالف السني المفترض، فإن مصر "السنية" تنزلق باتجاه حرب عبثية أخرى ضد الإسلام السياسي، ممثلاً في حركة الإخوان المسلمين، وكأننا إزاء معركتين، إحداهما شيعية سنية ذات طابع مذهبي، والثانية سنية سنية طابعها سياسي بالدرجة الأولى.
هذه الحرب الثانية انطلقت شرارتها الأولى منذ حصد الإخوان 88 مقعدًا في انتخابات مجلس الشعب المصري، التي جرت في عام 2005م، وتحقق لهم ذلك رغم الضغوط والجهود التي بذلت لحصارهم، الأمر الذي لم يخلُ من تدخل في حساب أصوات الفرز وتغيير النتائج لصالح مرشحي الحزب الوطني الحاكم في بعض الدوائر، كما أثبتت المحاضر والتحقيقات فيما بعد.
هذا الحضور بدا مثيرًا للانتباه ومقلقًا؛ ما أثار الانتباه إلى أن الجماعة- التي تم حظرها قانونًا منذ عام 1954م، وتعرضت خلال العقود الخمسة التي خلت لملاحقات ومحاكمات لا حصر لها من عمليات القهر والترويع- تبين أنها ما زالت تحتفظ بحضورها القوي في المجتمع.. آية ذلك أنها- وهي محظورة- حصلت على مقاعد في المجلس النيابي توازي عشرة أضعاف ما حصلت عليه أحزاب المعارضة المعترف بها قانونًا.
أما القلق فنابع من أن تمثيل الإخوان في المجلس النيابي بما يعادل خُمس (1/5) الأعضاء ثبت أنه مرشَّح للزيادة إذا ما تمت الانتخابات في ظروف عادية؛ الأمر الذي يعني إمكانية حصولهم على نسبة الثلث من المقاعد أو أكثر، وهي نسبة خطرة من وجهة نظر الحزب الحاكم؛ لأنها يمكن أن تؤثر على قرارات المجلس التي تريد الحكومة تمريرها، والتعديلات الدستورية المطروحة حاليًا مثال لذلك، بكلام آخر فإن نسبة الخُمس يمكن احتمالها من الناحية العملية، أما إن زادت على ذلك ووصلت إلى الثلث مثلاً فذلك خط أحمر من وجهة نظر الحزب الحاكم.
أحمد نظيف |
فمنذ أن دخل الإخوان إلى المجلس النيابي توالت الضربات الأمنية التي وُجِّهت إليهم، وحسب تقدير مصادر الجماعة فإنه تم اعتقال 850 شخصًا أثناء الانتخابات وبسببها وخلال الفترة اللاحقة من ديسمبر 2005م وحتى شهر يناير 2007م وصل الذين تم اعتقالهم في جولات مختلفة إلى حوالي 2500 شخص، وكانت أحدث جولة من ذلك القبيل في أعقاب ما سمي بأحداث جامعة الأزهر، التي وصفتها في مقالة سابقة بأنها "زوبعة في فنجان".
وقد تبين لاحقًا أنها أصبحت إعصارًا وليس مجرد زوبعة؛ لأن العرض الرياضي الذي قدمه بعض طلاب جامعة الأزهر في سياق اعتصامهم أمام مكتب مدير الجامعة احتجاجًا على فصل بعض زملائهم صُوِّر آنذاك بأنه "عرض عسكري"، رغم أنه لم يثبت أن أحدًا من الطلاب حمل معه موس حلاقة أو حتى عصا خشبية، ووصف الإعلام أولئك الطلاب بأنهم "ميليشيا" خصوصًا أنهم- وهم يمارسون لعبة الكاراتيه- غطوا وجوههم وارتدوا ثيابًا سوداء؛ تشبهًا بعناصر المقاومة التي تظهر في الصور.
حينها أثار الموضوع ضجةً واسعةً في وسائل الإعلام، التي ألحَّت على مسألتي "الميليشيا" و"العرض العسكري"، فإن الإخوان أصدروا بيانًا استنكروا فيه سلوك الطلاب ومظهرهم داخل حرم الجامعة، كما