ليس من العسير أن يلحظ المراقب أن السياسة الأمريكية تجاه سوريا قد ارتبطت في الآونة الأخيرة ارتباطًا مباشرًا بسياستها تجاه إيران, بعد أن كانت إيران جزءًا من الثنائي إيران- العراق، ولكن بعد إخراج العراق من المعادلة الأمريكية تجاه البلدين، والتقارب الإيراني السوري جعل النظرة الأمريكية تجاه سوريا لا تنفصل عن نظرتها تجاه إيران.

 

وقد يلحظ المراقب أيضًا أن هناك نصائح متعددة تضمنتها دراسات بعض مراكز الأبحاث الأمريكية بالتركيز على سوريا وحدها حتى يمكن تفكيك العلاقة السورية- الإيرانية وأن يكون لكلٍّ من الدولتين ملف خاص لكل منهما، له معطياته وطريقة معالجته والأهداف المطلوبة بشأنها.

 

ويبدو أن الموقف الأمريكي الرسمي لا يزال متأرجحًا بين فكرة الربط بين إيران وسوريا وفكرة تفريد سوريا، ولو على سبيل الأولوية والترتيب، ولكن الموقف الأمريكي في مجمله لا يجب أن يغيب عن نظر المراقب، وهو يضع الحلفاء الأربعة إيران وسوريا وحزب الله وحماس في سلةٍ واحدة، وهو نفس الموقف الصهيوني مع خلافٍ تكتيكي بين البلدين فيما يتعلق برأس الحربة في هذا التحالف، ولكن يبدو أن المواقف الأمريكية والصهيونية قد اقتربت تمامًا في الفترة الأخيرة، وأصبح من المألوف أن يشير الموقفان معًا إلى أن إيران هي رأس الحربة وأن المواجهة مع إيران سوف تؤدي إلى تفكيك التحالف الرباعي بعد أن حاولت واشنطن وتل أبيب خلال عام 2006م أن تجهد الحلفاء الثلاثة: حزب الله من خلال العدوان على لبنان أي الحزب بشكل ٍخاص بعد أن قدمت لذلك بالقرار 1559 ثم باغتيال الحريري ثم بلجنة التحقيق والمحكمة الدولية في مقتل الحريري.

 

أما سوريا فقد أدخلتها في نفس المخطط ونجحت تل أبيب بالفعل في إلصاقِ التهمة بسوريا ودفعت سوريا إلى موقع الدفاع، كما نجح الصهاينة في إخراج سوريا من لبنان بشكلٍ مفاجئ وسريع، ونجحوا ثالثًا في أن تجعل الانسحاب تنفيذًا للقرار 1559 وليس على أساس اتفاق الطائف، مما يعني أنه إذا كانت سوريا قد نفذت القرار فإنَّ على حزب الله أن ينفذ الشق المتعلق به أيضًا.

 

وأما حماس فقد تكفَّل الكيانُ الصهيوني وساندته الولايات المتحدة والمجتمع الدولي كله بإدخالها في صراعٍ عسكري مع حركة فتح، وهو مخطط لم ينجح تمامًا حتى الآن، ولكنه وضع الساحة الفلسطينية على طريقِ التصفية، ولا يخفى أن زيارات كونداليزا رايس المتكررة للمنطقة تضيف جديدًا في كل مرةٍ في تكريس هذا المخطط؛ حيث لُوحظ أنَّ الزيارةَ الأخيرة في الأسبوع الثالث من يناير 2007م قد تضمنت تعزيز قوة حرس الرئاسة والتركيز على الجزء الأمني في خارطة الطريق المتعلق بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية والاستمرار في خطة الحصار دون أن تكترث واشنطن بالربط السابق بين رفع الحصار وبين استجابة حماس للشروط الثلاثة المعروفة التي وضعها الكيان الصهيوني.

 

وأخيرًا فإنَّ سوريا قد تعرَّضت لبرنامج إجهاد متصل منذ صدور قانون الكونجرس الخاص بمحاسبة سوريا، ثم تأرجَّح الموقف الأمريكي تجاه سوريا بين هدف تطويع النظام أو إسقاطه, ولا تزال واشنطن تميل إلى تطويع النظام، ومن أجل ذلك تمارس ضغوطًا هائلة على سوريا لفك الارتباط بينها وبين حلفائها الثلاثة، كما تمارس ضغوطًا هائلةً بسبب ما تعتقده واشنطن من دورٍ سوري في دعم المقاومة العراقية.

 

يهمنا في إطار هذه الصورة العامة أن نركز على خط صغير يتنامى ويرتبط ارتباطًا مباشرًا بالحملة الصهيونية الأمريكية على الحلفاء الأربعة، ولكنه يختص بسوريا فقد جرَّبت واشنطن محاولة فك الارتباط بين سوريا وبقية الحلفاء، كما أنَّ واشنطن تخطط جديًّا حسبما تشير كل الشواهد لتقليم أظافر إيران بعد أن رفضت توصية لجنة بيكر بالحوار معها ومع سوريا.

 

وإذا كان المراقب يلحظ ارتفاع نبرة المواجهة الحادة مع إيران كما يلحظ الشواهد العديدة التي لا تخفى على تأليب دول أخرى ضد إيران، خاصةً أنَّ واشنطن بدأت بإرسال رسالة عاجلة من العراق إلى إيران عندما قامت بغارةٍ جويةٍ على بعثة قنصلية إيرانية في أربيل وحتى لا تفهم الرسالة فهمًا مغايرًا فقد أكد وزير الدفاع الأمريكي جيتس على وضوح الرسالة، كما أكدت رايس أنَّ هذه الغارة قد صدرت بها تعليمات مباشرة من الرئيس الأمريكي، فضلاً عن أن وزير خارجية العراق هوشيار زيباري أشار إلى أن الغارةَ وقعت على بعثة اتفق على إيجادها لا تتمتع بالحصانة الدبلوماسية وتضم أفرادًا لا يندرجون في عداد السلك الدبلوماسي؛ مما يعني أن هناك تحالفًا كرديًّا أمريكيًّا لاختبار الحكومة الشيعية في العراق وموقفها من إيران، كما لوحظ أن إيران فهمت الرسالة تمامًا بدليل أنها احتفظت برد فعل منخفض واكتفت بالمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين وتقديم التعويض المناسب عن الضحايا، ولا يكاد يمر يوم على الأقل منذ نشر خطة بوش حول العراق دون صدور تصريحاتٍ تلاحق إيران وتندد بها، كما بدأت النغمة القديمة الخاصة باستعداد واشنطن الكامل ضد إيران وبعدم استبعادها لأي حلٍّ عسكري لقضية المفاعل النووي، مما يعني انتصار الخط الصهيوني الذي عارض تمامًا أي حوارٍ إيراني أمريكي ويرفض رفضًا قاطعًا احتواء الملف النووي الإيراني في إطار الاعتراف بإيران كقوة إقليمية.

 

أما سوريا فيبدو أن واشنطن تركز على ثلاثة خطوط متوازية بهدف فك الارتباط بين سوريا والتقريب بين سوريا والصهاينة، ثم التقريب بين سوريا وجبهة الدول المعتدلة الجديدة التي تضم مصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي.

 

يقوم الموقف الأمريكي تجاه سوريا على التأكيد مباشرةً ومن خلال الوسطاء على أن إيران لا تستطيع أن تدافع عن سوريا إذا هاجمتها إسرائيل أو الولايات المتحدة, كما أن إيران تقوم بدورٍ في العراق يؤدي إلى تقليص النفوذ العربي الذي تحرص عليه سوريا، وأن التقارب السوري الإيراني من أهم أسباب عزل سوريا في العالم العربي، وربما تؤلب واشنطن الشعب السوري ضد قيادته على أساس نفس الحجج، وعلى أساس أن مناطحة الولايات المتحدة يؤدي إلى فقدان سوريا الكثير منها: استعادة الجولان، وتخفيف الضغط على النظام في الداخل، وتخلي واشنطن عن العملاء السوريين الذين تجهزهم لمناهضة النظام تحت دعاوى نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، كما أن تفهم سوريا يمكن أن يؤدي إلى المزيد من المنافع الاقتصادية.

 

ويبدو أن واشنطن لا تصر في هذه المرحلة على فك الارتباط بين سوريا وحزب الله، أو حماس وإنما تركز على الجبهة الإيرانية السورية، فكيف يمكن أن نقيم هذا الموقف من وجهة النظر الأمريكية والسورية؟

 

تترك واشنطن وتل أبيب الانطباع بأن سوريا متعاطفة مع الموقف الجديد وأنها لا تريد أن تكون طرفًا في صراعٍ بين واشنطن وإيران خصوصًا مع التصعيد الحادث بينهما، وربما أشعرت دول الخليج سوريا بأن عليها أن تختار بين المصالح العربية وبين التحالف مع إيران التي تهدد الخليج بالسلاح النووي وبالشعارات الطائفية وتقتحم السياسات العراقية ضد مصالح السنة والعرب.

 

نحن نعتقد أن المنهج الأمريكي الجديد تجاه سوريا يتطلب من دمشق الكثير من الحذر؛ لأن سوريا تدرك جيدًا حدود التحالف السوري الإيراني، وتدرك أيضًا الثمن الذي تدفعه ولكن الرئيس بشار أشار في مناسباتٍ متعددة إلى أن التحالف مع إيران هو جزءٌ من موقف الصمود السوري وليس خيارًا سوريًّا، كما يبدو أن سوريا تدرك تمامًا أن إيران لن تكون طرفًا في أي صراعٍ بين سوريا والكيان الصهيوني، وأنه يستبعد تمامًا أن تزود إيران سوريا بأية أسلحة متقدمة لهذا الغرض، وهذا يطرح على القيادة السورية قضية لا يبدو أنها تختار بين الأبيض والأسود ولكنها تحتاج إلى حزمةٍ من الاعتبارات التي تخدم بها المصالح السورية في هذه المرحلة، خصوصًا أن سوريا وجدت أن الدول التي تشكل الفضاء الطبيعي لسوريا وهي الدول الثمانية قد أصبحت بشكلٍ ما جزءًا من الصراع الأمريكي الإيراني الذي دفعت الولايات المتحدة دفعًا لأن يتقدم الصراع العربي الصهيوني، وأن سوريا التي تعتبر الكيان الصهيوني طرفًا أساسيًّا في معادلة الإرباك في الساحة العربية لم يعد كذلك في حسابات الدول الأخرى.

 

من وجهة النظر الأمريكية تبدو هذه الإستراتيجية قابلة للتجريب، ولكن لا يبدو أنَّ تل أبيب متحمسة لها لأنها تخشى أن يترتب على نجاح هذه الإستراتيجية اندماج سوريا في المنطقة العربية وتطور العلاقات السورية الأمريكية، خصوصًا أنه بعد العراق لن تكون هناك مشاكل ثنائية بين دمشق وواشنطن، ولا تثق تل أبيب تمامًا في مواقف الدول العربية الثمانية الراهنة التي إن تحالفت مع الولايات المتحد فإنها لا تقبل تحت أي عنوان التحالف مع الكيان الصهيوني.

 

لا نظن أن واشنطن واثقة من أي شيء في الشرق الأوسط، سواء تعلق ذلك بخطتها في العراق أو بمحاولة فض الارتباط بين سوريا وإيران؛ بل على العكس إذا نجحت الخطة الأمريكية في العراق فإنَّ حاجتها لسوريا سوف تضمحل خصوصًا وأن أصواتًا قوية في الإدارة الأمريكية أبدت انزعاجها من توصيات لجنة بيكر التي أشارت بالحوار مع سوريا ووقعت هذه الأصوات نفسها في تناقض واضح، ففي الوقت الذي تتهم فيه سوريا بمناهضة المصالح الأمريكية في العراق، فإنها قللت من أهمية الحوار مع سوريا؛ نظرًا لضعف تأثير سوريا في الساحة العراقية وربما وجدت هذه الأصوات أن مجرَّد التقارب العراقي السوري يكفي ويطلبون بديلاً عن الحوار الأمريكي السوري.

 

تلك رؤية لما يبدو من خلال المتابعة لخطوط السياسة الأمريكية المتأرجحة في المنطقة، والتي يبدو فيها أن نجاح خطتها تجاه سوريا والتي سوف تنسحب بالضرورة على حزب الله وحماس لن تكون حاسمة بقدر الخطورة التي تترتب على أي موقفٍ سوري سلبي أو إيجابي تجاه هذه الخطة.