بقلم: بهاء فرح*
ما من شك أنه كلما كان الشخص بعيدًا عن موقع الحدث كان أبعد عن الوصول إلى الحقيقة كاملة، وكان من السهل على الجميع خداعه، وفي الفترة الماضية كان من السهل على كل الأطراف تزييف ما يجري في قطاع غزة، وإلقاء اللوم على الآخرين في تفجر الأوضاع هناك، ومحاولات تأزيم الوضع لخدمة أهداف شخصية.
قبل أيام كنت في حوارٍ مع أحد قيادات فتح، وبعد نقاشٍ مستفيضٍ حول القوة التنفيذية ووصفه لها بأنها رأس الأفعى الذي يجب قطعه حتى يُقضى على الفتنة في وطننا، رددتُ عليه قائلاً: إن وزير الداخلية لم يكن أمامه أي خيارٍ إلا تشكيل هذه القوة، بعد أن رفض قادة الأجهزة الأمنية تنفيذ قراراته، وما أثار دهشتي أنه وبكل برودة أعصاب قال: "لا تصدق وزير الداخلية، هذا الكلام غير صحيح".
دائمًا كنا نسمع لما تقوله فتح، وما ينشره إعلامنا في تلفزيون فلسطين، وعندما نتحدث إلى الشخصيات الفتحاوية التي تتحرك بين الضفة وغزة يُقال لنا لا تكتفِ بما تسمع عبر وسائل الإعلام أو ما يقوله لكَ الآخرون، عليك أن تقيِّم بنفسك الأحداث من خلال الاطلاع عليها عن قرب، وهم يعلمون أنه من المستحيل الوصول إلى غزة والاطلاع على ما يجري عن قرب.
ولم يطل الوقت حتى انتقلت الصورة إلى الضفة، وبدأت الحقائق تتكشف، وأصبح من السهل معرفة مَن الصادق ومَن الكاذب، وإن كان وزير الداخلية يتجنى الحقائق، ويفتري على قادة الأجهزة الأمنية، وإن كانت القوة التنفيذية هي حقًّا رأس الأفعى الذي لا بد من قطعه، وإن كانت حماس تُشوه صورة المقاومة وتستهدف قادتها بالأنفاق، أم أن هذه خرافات من نسج الخيال.
الصورة الأولى التي ظهرت أمام عينيّ كانت بحرق مقرِّ المجلس التشريعي ومقرِّ مجلس رئاسة الوزراء في رام الله، والاعتداء على مكاتب حركة حماس، بما فيها مكاتب الصحف والجمعيات الخيرية، ثم اختطاف النواب والموظفين والكوادر والشخصيات، وكل هذا قامت به عناصر من فتح والأجهزة الأمنية، فهذه أول صورة لحرص فتح على نظافةِ سلاح المقاومة.
![]() |
|
بعض عناصر فتح يطلقون نيران أسلحتهم الرشاشة |
ثم تلا ذلك إطلاق النار على محلات تجارية، وعلى جمعية لرعاية دور القرآن الكريم، ونادي صناع الحياة، ومكتب نواب التغيير والإصلاح، وعلى بيوت وسيارات شخصيات بعضها غير محسوبة على حركة حماس، ولكن جريمتها كانت إطلاق اللحى والالتزام بالصلاة.
وإذا كان الناطق باسم فتح في الضفة يقول إن إطلاق النار على منزل العقيد غريب لم يكن استهدافًا لنقطة عسكرية، نقول له إن إحراق جمعية الفرقان لرعاية دور القرآن لم يكن استهدافًا لمستوطنة صهيونية، وصاحب محلات ضراغمة هو أيضًا فلسطيني ومشهود له بالنظافة أكثر من غيره بكثير.
إذا كان لا بد من الحديث عن تشويهِ صورة المقاومة، وعن الاستخفاف بعقلية المواطن الفلسطيني، فهذا يدفعنا إلى الحديثِ عن الناطقين باسم حركة فتح، الذين لم يعدموا وسيلةً في خداع الرأي العام، من خلال سرد قصصٍ لا يتخيلها العقل، ولم نُشاهدها في الأفلام البوليسية.
ولا أرى أن مثل هذه التصريحات التي تُطلق هنا وهناك عن استهداف موكب الرئيس بأنفاق،
