بقلم: فرج شلهوب
فرج شلهوب
سياسة التفكيك الأمريكية تتواصل لمكونات المنطقة السياسية انتظارًا لفرصة مواتية لإعادة التركيب وفق الهوى والرغبة الأمريكية، وكما يبدو فإن الأولوية الراهنة هي للتفكيك وتعميق جذور القسمة داخل كل قُطْر يقع تحت دائرة الاستهداف، قناعةً بأن هذه السياسة ذات فوائد عديدة بالنسبة للأمريكيين، فهي لا تصيد عصفورين بحجر واحد، بل أكثر من ذلك.

فالتفكيك من جهة يحقِّق عمليةَ إضعاف الكيانات السياسية القائمة وإشغالها بنفسها، وعلى نحو تصبح فيه البيئة السياسية في الإقليم فسيفساء مضطربة، عاجزة عن الدفاع عن نفسها، فضلاً عن أنها تشكل تهديدًا لـ"إسرائيل" أو لأيٍّ من المصالح والتحالفات ومشاريع العمل الأمريكية في المنطقة.
والتفكيك من جهة ثانية يضع الأساس لجغرافيا جديدة تبدو ضمنها "إسرائيل" قوةً إقليميةً طاغيةً ومهيمنةً، تحظى بالمزيد من القبول والكثير من التحالفات والعلاقات السياسية، التي ستتشكَّل على أساس من توفير الحماية أو الدعم الاقتصادي الإسرائيلي لكيانات هشَّة متشظية ذات أهداف وطموحات وأجندة صغيرة.
والواضح في هذا السياق أن أمريكا لا تريد للعراق أن يتعافى، أو أن تتعزَّز وحدته، وهي لن تسمح لأيٍّ من أطرافه الداخلية بأن يتأهَّل، قدرةً أو برنامجًا، للمحافظة على وحدة العراق أو قوته، فهي تريد إدامة الصراع داخله، وعندما يتم استنزافه ستنتقل إلى الخطوة التالية.. قسمته، على اعتبار أن لا حلَّ للنزاعات والصراعات الداخلية إلا بهذه القسمة، وإلى أن تستقر الأوضاع على هذا النحو البائس المخطط له سيحتاج الأمر لسنوات، ستمر خلالها مياه كثيرة من تحت أقدام العراقيين، ستحظى فيها أمريكا و"إسرائيل" بالفرجة وربما الأمن والمزيد من تجنيد الحلفاء والعملاء، كيانات وأفرادًا؛ باعتبار أمريكا و"إسرائيل" الأقرب والأقل خطورةً على الفرقاء المتصارعين.
المشهد ذاته يعدُّ للبنان، وأسوأ منه لفلسطين.. قسمة الشارع.. منع أي طرف من امتلاك القدرة على الحسم.. إدامة الاقتتال والنزاع الداخلي لأطول أمد ممكن.. استنزاف القوى وإشغالها عن برامجها الأساسية، وصولاً لإنجاز القسمة في لبنان والعراق، وفي فلسطين هدم أي إمكانية لتقدم مشروع التحرير أو الاستقلال الفلسطيني أو حتى الحصول على بعض الحقوق، عبر أي وسيلة مقاومة أو مفاوضة.
وفي هذا السياق وعن سابق قصد وتصميم يتم توفير ثلاثة شروط مهمة: أمن "إسرائيل" وتفوقها وعدم استعدادها لتقديم أي استحقاق، فيما يتم تكريس الشعب الفلسطيني وقضيته كخاسر وحيد من كلِّ ما يجري على الساحة الفلسطينية من نزاع واختلاف.
وإذا كان عباس ودحلان والتيار المتصهين في الحركة الوطنية الفلسطينية لا يتورَّع عن مدِّ اليد للأمريكان- للتسلح والحصول على المال، لا لمواجهة المشروع الاحتلالي الإسرائيلي، ولكن لضرب حماس وإزاحتها عن السلطة- فإن من الخطأ أن تنساق حماس وراء ما يخططه الآخرون، أمريكا أو الاحتلال أو صغار يرضعون من ثدي الأجنبي والمحتل، من قسمة للشعب والوطن، وإضعاف لهما لصالح أجندات مشبوهة، داخلية وخارجية، وهذا يقتضي:
أولاً: إعادة تفعيل أعمال المواجهة مع المحتل؛ باعتبار أن التناقض الرئيس هو مع هذا المحتل وليس العملاء الصغار سوى أدوات لإرادته الشريرة.
ثانيًا: العمل مع الشرفاء من أبناء الشعب، في المؤسسات والفصائل والشارع؛ لعزل الفئة الفاسدة وحصارها، وصولاً إلى إيقاع العقوبة العادلة بها، وهذا يتطلَّب سيطرةً وضبطًا لردَّات الفعل، وفي الوقت ذاته توجيه الأداء بما يردع رؤوس الفتنة وليس أحدًا غيرهم.
ثالثًا: طرح مبادرة وطنية شاملة تفتح الأفق أمام إعادة ت