أحدث نبأ اغتيال صدام حسين صدمةً عنيفةً عندي وعند ملايين غيري، وأقول إنه اغتيالٌ وليس إعدامًا لأسباب عديدة سأوضحها فيما بعد تميز تمامًا ما بين الاغتيال والإعدام رغم توفر الشروط الشكلية للإعدام، وازداد وقع الصدمة مع ما أعقب هذا الاغتيال من نشر الصور التي سجَّلت اللحظات الأخيرة في حياته.

 

وحتى لا تتزاحم المشاعر فتفسد فكرة هذه المقالة، أُريد أن أركز على أنني كنتُ دائمًا معارضًا لصدام حسين ولأمثاله من رموزِ الاستبداد في العالم العربي، ولم أنبهر مطلقًا كما انبهر ملايين في الشارع العربي بدعايته القومية تارةً والإسلامية تارةً أخرى، بل على العكس, كنتُ أرى أنَّ استخدامه لرموزٍ قوميةٍ وإسلاميةٍ في المجالين العربي والإسلامي دليلٌ على استخفافه واتجاره بالعروبةِ والإسلام، رغم احترامي لما يراه غيري في المجالين العربي والإسلامي مخالفًا لما أرى.. كنتُ أرى أيضًا أنَّ ظهور صدام هو أحد الأعراض المرضية لتخلي مصر طوعًا عن دورها العربي تحت دعاوى عديدة لا تقنع طفلاً يفهم في مبادئ الدور وإستراتيجية ودروس تاريخ مصر ووضعها المركزي بحكم حجمها على الأقل على خريطة المنطقة.

 

 الصورة غير متاحة

 إعدام صدام

وازداد سخطي على اغتيال صدام لأنه أُعدم فجأةً، بينما كان يحاكم على فظائع أخرى، رغم رفضي الكامل لكل ما يتصل بالمحاكمة المهزلة التي نصبها المحتل وجنَّد لخططه مَن رأى أن مصالحه المذهبية والطائفية تنسجم مع هذه الخطط، ويرتفع السخط إلى غايته عندما رأيتُ أنه كان محاطًا بحراسٍ يقتادونه إلى نهايته المؤلمة وهم طائفيون وشامتون يقودونه إلى حتفه والزراية به، وهو في هذا الوضع البائس لا حولَ له ولا قوة، ولكنني قطعًا أكبرتُ فيه شجاعته في مواجهة النهاية المأساوية، والتي أكدت أنَّ إصراره على حق وأنه يموت فداءً للعراق ضد أعدائه من الإيرانيين والأمريكيين لا يجعل الموت مرجحًا لخطئه على صواب إعدامه، ولكن للأسف كل الجرائم ارتُكبت باسم الوطن والحق والحرية وكل المبادئ النبيلة, وهكذا فعل ميلوسوفيتش وهتلر وشارون، وهذا صحيح من زاوية البطل- المأساة بخلاف الصورة على الوجه الآخر.

 

وتحوَّل الغيظ إلى غضبٍ عارمٍ؛ لأن يتم اغتيال صدام فجر يوم عيد الأضحى وكأنَّ الحكمَ الطائفي وآمريه من المحتلين يرون أن إعدامه في هذا اليوم المبارك في كل الأديان باعتباره دين إبراهيم وإسماعيل هو تقرب إلى الله على غرارِ ذبح الخراف عند المسلمين رمز افتداء إسماعيل في قصة الذبح المعروفة، لا جدال في أن هذا يُمثِّل احتقارًا لمليار ونصف من المسلمين ولمناسبتهم الكبرى، خاصةً أن بوش يدعي أنه لا ينطق عن الهوى ما دام مبعوث العناية الإلهية على غرار كل الغزاة والمحتلين في تاريخ البشرية.

 

ثم تحوَّل الغيظ أيضًا إلى حزنٍ عميقٍ عندما رأيت ردود الأفعال الأمريكية والإسرائيلية وإن كان رد الفعل الإيراني والكويتي طبيعيًّا في ضوء غزو صدام لكلٍّ من إيران والكويت.

 

والحق أن اغتيال زعيم عربي بهذه الطريقة في هذه المناسبة ووسط هذه الظروف رسالة إلى كل زعيم عربي نرجو أن يفهم مضمونها وألا يتم فهمها بطريقة خاصة وانتقائية، وأهم ما تقدمه الرسالة هي أن التحالف مع الولايات المتحدة مهما كان دافعها وبريقها هو تحالف مع الشيطان، وأن المصير يتراوح بين مصير الشاه وصدام حسين، وهذا يُسلمنا إلى الملاحظتين الأخيرتين:

الملاحظة الأولى: أن ارتباط صدام بواشنطن ارتباط مطلق لأسبابٍ عديدةٍ دفع المحللين والمراقبين إلى عدم استغراب تحول المعاملة لصدام من توظيفه واستخدامه وتذليل كل من في المنطقة لمساندته ضد إيران، ودعمه في قمع شعبه، إلى الانقلابِ عليه بعد استدراجه إلى الكويت ثم تنفيذ مخطط السيطرة التامة على المنطقة وعزل صدام داخل أرضه وإذلاله وهو لا يصدق هذا التحول وسبب دهشته أنه لم يقصر يومًا في تنفيذ أوامر واشنطن.. ولا أدري كيف فهم الملايين في المنطقة العربية خط