بقلم: بهاء فرح*

أتساءل أحيانًا وأنا أستمع إلى تصريحات بعض الناطقين الرسميين وغير الرسميين لحركة فتح، وهم يتحدثون عن استراتيجية حركة حماس، وعن استخدامها للعنف، وعن الخطر الذي تشكِّله أفكار قادتها على الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة، أتساءل: هل الشعب الفلسطيني أعمَى لم يعُد يرى ما يحدث أمامه؟! أو أنه أصبح غبيًّا لا يفهم ما يجري من أحداث على الساحة الفلسطينية بعد خسارة فتح لموقعها في السلطة؟! أو أن البعض- ولسوء إدراكه، ولقصر نظره- يحاول أن يغطي الشمس بغربال، أو يدفن رأسه في الرمال كالنعام كي لا يرى الناسُ مخازيَه؟!

 

لفت نظري تصريح لجمال نزال- الناطق باسم حركة فتح في الضفة- تحدث فيه ببالغ القلق عن أن حماس تتخذ من الحرب الأهلية في هذه المرحلة قرارًا استراتيجيًّا، وتناسَى التصريحات التي يطلقها هو وزملاؤه الناطقون الرسميون من حملات تحريض ضد أعضاء الحكومة الفلسطينية وضد قيادات حماس، وحتى ضد الفضائيات التي لا تتساوق مع رؤيتهم التحريضية، وصولاً إلى اتهام الشخصيات الفتحاوية التي تساند مواقف الحكومة الفلسطينية في مواجهة الخضوع للاحتلال.

 

وتحدث أيضًا عن إدخال السلاح بكميات كبيرة لحركة حماس، ولا ندري عن أي سلاح يتحدث؟! فهذا السلاح لم نرَه على مدار السنوات العشر التي تربَّعت فيها فتح على كرسي السلطة يطلق على مقراتها، لم نرَ يومًا أيًّا من الوزارات تكسرت نوافذُها، أو أُحرقت مكاتبُها، أو حتى أحرق المجلس التشريعي، أو اختُطف بعض أعضائه تحت قوة السلاح، لم نرَ يومًا من الأيام حماس تعتدي على مقرَّات أي من الحركات أو التنظيمات الوطنية العاملة على الساحة.

 

ثم يتحدث عن الإرهاب الذي تقوم به حركة حماس بحقِّ أبناء فتح وأبناء شعبنا، ويبدو أن السيد نزال أغمَضَ عينيه عن حوادث الاعتداء التي تقوم بها حركتُه بشكل شبه يومي.. من إطلاق النار على منازل كوادر في حركة حماس، ومن اعتداء على المصلِّين في مسجد البيرة الكبير، وأعداد من قوى الأمن تنتشر حول المسجد بشكل يوهم مَن يراها أن هذا جيشٌ لصدِّ عدوان من الاحتلال.

 

نتساءل: أين يذهب سلاح رجال الأمن هؤلاء حينما تُقتحم مدينة رام الله؟! وحينما يُختطف الشبان من وسط المدينة أو حتى يتم تصفية الناشطين أمام أعين رجال الأمن في بعض الأحيان؟! بينما يصبح هؤلاء الجنود أسودًا في مواجهة مواطنين عزَّلٍ خارجين من المسجد، أو مهاجمة مهرجان سلمي في مدينة نابلس، أو حتى إطلاق النار على طلبة الجامعات في برزيت والنجاح.

 

فيما يبدو أن حركة فتح تستخدم آخر أوراقها المتبقية لها في مواجهة حركة حماس، فكل الوسائل التي استخدمتها من قبل فشلت في تنفير الجماهير عن الحركة، ولم يعُد إلا الأسلوب العقيم بتخويف الناس من طالبان جديدة في فلسطين، ومن أن حماس ستَحكم بالحديد والنار وستعلِّق المشانق في الطرقات!!

 

يتناسى السيد نزال- أو يجهل حتى- فكْرَ حركة حماس ومنهجَها الوسطي، فهي حركةٌ لا تؤمن بالاغتيالات السياسية، ولا بفرض التديُّن بحدِّ السيف، ولا تريق دماءَ إخوانها، ولا توجِّه سلاحَها إلا في وجْه الاحتلال وأعوانه، وشهدت لها السنوات السابقة في الحكم الفتحاوي، حين كان قادتُها يعلَّقون في زانزين التحقيق، ويعذَّبون ويُعتدَى على زوجاتهم وأمهاتهم وأخواتهم.

 

ومن المفارقة العجيبة أن بيانًا صدر عن فتح قبل يومين كان يطلب من الظواهري- الرجل الثاني في تنظيم القاعدة- أن لا يتدخل في الشأن الفلسطيني، وورد فيه "ستسمع أخبارًا لا تسرُّك في الأيام القليلة القادمة عن اتفاق بيننا وبين إخواننا في حماس"، كيف كانت فتح تعتبر حماس قبل يومين إخوانًا لها وأصبحوا اليوم طالبانيين يجب الحذر منهم؟! هل تغيَّر فكر ومنهج حركة حماس في يومين؟! أو أن أمورًا داخليةً في حركة فتح غيَّرت هذه الوجهة التي وجَّهتها قبل يومين؟!

 

إن كانت فتح تسعى حقًّا إلى الوحدة الوطنية، وتسعى أيضًا إلى حقن الدماء الفلسطينية، فعليها أن تبتعد عن مثل هذه التصريحات التي لا تهدف إلا إلى زيادة الاحتقان بين الأشقَّاء، وأن تكون وسطيةً في فكرها وسلوكها، فبينما منعت الاحتفالات بانطلاقة حركة حماس تجري الاستعدادات على قدم وساق لإحياء انطلاقة حركة فتح، فلماذا تسمح هذه الحركة لنفسها بما لا تسمح به لغيرها؟!

 

الفكر الطالباني يبدو أنه راسخٌ فقط في ذهن حركة فتح، والتفرُّد بالسلطة وحبُّ التملك يبدو أيضًا أنه أصبح غريزةً في هذه الحركة، التي تَعتبر نفسها صمامَ الأمان لوحدة الشعب الفلسطيني.. لكن ما يبدو أن فتح استنفذت كل خياراتها أمام الشارع الفلسطيني الذي لم يعُد يقبل بالفساد والتسلُّط والقمع الفكري.

 

فليطمئنّ الإخوة في حركة فتح إن كانوا خائفين من طالبانية حماس، وليطمئن الشارع الفلسطيني معهم أيضًا، فلو كانت حماس تسعى إلى السلطة بالقوة لفعلت ذلك منذ زمن، لكنَّ الشعب هو الذي اختارها دون إكراه.

 

أما إن كان الهدف من مثل هذه التصريحات إقناع الشعب بضرورة إجراء انتخابات جديدة، فلا أظن أن مثل هذه الأساليب باتت تنطوي على عقول أبناء شعبنا الذين عاشوا فترةَ حكم السلطة السابقة والحالية.

 

-------

* إعلامي فلسطيني.