بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل
عنوان هذه المقالة يهدف إلى أمرين أولهما التساؤل عن مدى صحة نظرية المؤامرة في فلسطين؛ لأن العالم العربي استراح إلى أن الكيان الصهيوني هو سبب مآسي هذا العالم حتى بات مألوفًا أن نلقي باللائمة عليه دون تفكير ويكون ذلك نهاية المطاف دون البحث في أسباب أخرى أو حلول للمشكلة في المستقبل، وترتهن إرادتنا بما يقرره الكيان الصهيوني، أما الهدف الثاني فهو بيان العامل الصهيوني في الأزمة بين الفلسطينيين.
لا أظن أن أراضي محتلة في إطار مشروع استعماري استيطاني تفلت من حقيقةٍ ماثلةٍ وهي أن الكيان الصهيوني هو الذي يضبط التفاعلات داخل هذه الأراضي؛ لأن تصفية المقاومة وضم الأراضي وإبادة السكان هو الهدف النهائي للمشروع الصهيوني، ولا أضيف جديدًا في هذا المقام إذا قلت إن المشروع الصهيوني في طبعته النهائية لا يتصور اقتسام فلسطين بين سكانها وبين اليهود؛ لأن هذا الاقتسام بدأ بقرار التقسيم الذي دشن المشروع على الأرض بعد أن ظل محلقًا في أذهان الساسة اليهود طوال أكثر من خمسين عامًا منذ بدأت الصهيونية السياسية تبلور هدفها والمحطة التي تنزل فيها بمشروعها.
معنى ذلك أيضًا أن التسويات التي يتم الدخول فيها هي محطات نحو الهدف النهائي.
فالفلسطينيون يعتبرون هذه التسويات طريقًا عمليًّا لتأهيل الشعب الفلسطيني نحو استرداد كل فلسطين سواء وفقًا لنظرية الإصرار والأولى أن يطبقها هذا الشعب لاسترداد أرضه، وتتصادم نظرية الاسترداد المزعومة في فلسطين مع نظرية الاسترداد الحقيقية للشعب الفلسطيني، أو وفقًا لنظرية أن الجماعات اليهودية المشكلة للمشروع الصهيوني سوف تتفكك وأن المشروع سياسي ولا يعبر كما يزعمون عن ضميرٍ قومي يهودي، أو وفقًا لنظرية أن الجزء يتم ابتلاعه في الكل، في بحر السياسة والثقافة والسكان في العالم العربي كما حدث في الغزوات الأجنبية السابقة مهما بدا أن هذه الأقلية سخرت النظم الدولية لتطويع أوضاع العالم العربي.
في المقابل يرى الصهاينة أن قرار التقسيم هو المنطلق الإقليمي وأن المشروع الصهيوني الذي التهم حتى الآن معظم فلسطين يجب أن يصل إلى غايته، ولا شك أن انصراف الشعب الفلسطيني عن المطالبة بزوال الاحتلال بالسياسة والمقاومة وإصلاح ذات البين والبيت الفلسطيني حتى يكون قويًّا في السياسة والمقاومة، ووقوعه في هوة الانقسام والتناحر فإنه بذلك يحقق للكيان كل ما يريد: وقف المقاومة، إبادة الشعب، إنهاء اهتمام العالم بالقضية الفلسطينية في شكلها الطبيعي ما دام الشعب لم يعد معنيًّا بالدولة والاستقلال.
لا شك أيضًا أن هذا الوضع المثالي يزيح عن الكيان الصهيوني مئونة إبادة هذا الشعب الذي يتولى إبادة نفسه بنفسه، كما يفلت من أي ضغط أو استحقاق، بل يبرر للكيان أن يعيد احتلال غزة رسميًّا وإعلان هذه الأراضي تحت مسئوليته بعد القبض أو تصفية السياسيين الذين يرى أهمية لإخفائهم.
هذه الخطوة في هذا المناخ سوف تجد لها مبررات مقبولة عالميًّا، أولها أن هذا الشعب لا يستطيع أن يدير نفسه وليس مهيئًا بطبيعته لأن يقيم دولةً، وأنه كان محقًا في رفض منحه الحق في تقرير مصيره لعدم قدرته على تحقيق هذا الحق، ثاني هذه المبررات أن الكيان الصهيوني كدولة محتلة ملتزمة بحماية السكان من المخاطر غير "الصهيونية"، وهو مضطر إلى السيطرة التامة على الموقف.
بهذا الأسلوب يستطيع الكيان الصهيوني أن يكف الجميع عن تسوية سياسية لقضية الاحتلال، وأن يحول القضية إلى قضية تأمين المجتمع الفلسطيني ضد زعاماته وأن يبرر كل تصرفاته السابقة، بما في ذلك إقامة الجدار الذي يلتهم معظم الأرض ويفصل السكان والأراضي؛ تمهيدًا لتحديد حدود الكيان الصهيوني في مرحلة ما قبل اكتمال الصهيونية.
إذا كانت هذه هي مصالح الكيان الصهيوني في الصراع بين الفلسطينيين فلا نشك في أن الكيان الصهيوني قد لعب دورًا أساسيًّا في تهيئة المسرح والتفاعلات التي أوصلت إلى هذا المشهد، مما يشهد بقدرة الكيان الصهيوني الفذة على التآمر على أعدائه، وعلى تهيئة الظروف الدولية والإقليمية المساعدة على ذلك.
ولا أظن أنني هنا بحاجةٍ إلى تفصيل قصة وصول حماس للسلطة التي كان يظن أن وصولها بطريقة ديمقراطية قد استوفى شرطًا "لإسرائيل" وأمريكا بأن السلام بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين غير ممكن دون وجود ديمقراطية في فلسطين، أيضًا كما هي في الكيان الصهيوني، وكانت مشروعات السلام الأمريكية تربط بين تحقيقها وبين إجراء إصلاحات إدارية ومالية وأمنية وسياسية، وكان هدفها الأساسي هو تصفية حكم عرفات وتعيين المتعاونين المتفاهمين؛ ولذلك جاءت حماس لتعني بالنسبة لهم الكثير وأهم المعاني التي حملها فوز حماس هو نجاح التيار الإسلامي وهي نتيجة مخيفة في العالم العربي وأن الشعب قد التف حول هذا التيار أملاً في الخلاص من الفساد وتفهم الواقع المؤدي إلى تداعي آمال الفلسطينيين.
وقد وجد الكيان الصهيوني في فلسطين والعالم العربي جبهةً عريضةً مناوئة لحماس كحركة إسلامية وحركة مقاومة للكيان الصهيوني، وهما صفتان كفيلتان بتجميع المناهضين من كل حدب وصوب.
والحق أن حماس لم تُعطَ الفرصة لإظهار قدرتها السياسية مثلما أظهرت قدرتها على المقاومة وقدرتها على أن تكون حركة شعبية شاملة، مما يعني أن نهاية حماس في الحكم ليست نهاية للحركة وإنما هو درس، لكن القضية العاجلة هي أن الشعب الفلسطيني يعاني الآن من صراع على السلطة بين حماس التي تتمسك بحقها وفتح التي ترى أن وجود حماس في السلطة وعدم تعاونها مع رؤى رئيس السلطة أدى إلى شقاء الشعب الفلسطيني والآن يؤدي إلى حربٍ أهلية خاصةً في ظل تمسك كل طرف بموقفه بعد أن طرح أبو مازن الانتخابات المبكرة وهي خطوة إلى الوراء ومن شأنها أن تعقد الأزمة وليس حلها.
فالخلاف بين حماس وفتح يجب ألا يؤدي إلى إضاعة أي أمل في بقاء الفلسطينيين على الخريطة السياسية، وأن يكون زعماء هذا الشعب بصرف النظر عن تفاصيل ما ذكرت على مستوى دقة هذه المرحلة الحاسمة التي يمكن أن ينزلق فيها الشعب إلى حضيض اليأس والضياع أو على الأقل يحافظ على أمنه من منظماته، وأن يتحول سلاحها إلى عدوهم الحقيقي الذي يتربص بهم جميعًا.
إنني أهيب بزعماء حماس وفتح أن ينسوا تمامًا أي كسبٍ على سلطة تحت الاحتلال، وأن العالم العربي يراقب بكل القلق مدى نضجهم وسعيهم إلى التضحية وإعلاء المصلحة العامة وليكن حكم سليمان في السيدتين اللتين ادعت كل منهما أحقيتها بالطفل نموذجًا للخروج من هذا المأزق- المؤامرة.