بعد اثني عشر عامًا لم تعقد بها جمعية عمومية لنادي أعضاء هيئة التدريس بالإسكندرية، ولم تجرِ فيها انتخابات، وشكَّل مجموعة من أساتذة الجامعة الناشطين (مسلمين ومسيحيين من كافة الاتجاهات) في إبريل 2005م، ما عُرف بلجنة الحريات التي أخذت على عاتقها تحرير النادي العريق، وخلال عام نجحت في جمع تفويضات من أكثر من 800 عضو هيئة تدريس، صاحبها وتبعها إجراءات قانونية وقضائية توجت بعقد انتخابات في 18/4/2006م، حكم القضاء الإداري بصحة إجراءاتها، ولم يكن مفاجئًا أن يقوم الأمن بإغلاق النادي والشوارع المؤدية له قبيل الانتخابات، وكانت هناك استعدادات بديلة مكَّنت الأساتذة من إجراء الانتخابات على الرصيف، واكتمل لها النصاب رغم الحصار الأمني، ونتج عنها مجلس شرعي.
الانتخابات الموازية
فُوجئت الحكومة بقيام مجلسٍ شرعي ليس لها أعضاء فيه، مارس صلاحياته وأعاد للنادي حيويته، فرفضت تسليم مقاليد النادي للمجلس المنتخب، وأعلنت عن انتخابات موازية تولى الدعوة لها المفوض الذي عيَّنه المحافظ السابق وحكم القضاء ببطلان تفويضه، وإزاء ذلك قام مجلس الإدارة الشرعي برفع دعوى ببطلان هذه الانتخابات الموازية، وفي نفس الوقت، وتعاملاً مع الواقع، رشحت لجنة الحريات قائمة ممثلة لها في هذه الانتخابات.
وقد تقدَّم للترشيح في هذه الانتخابات 62 مرشحًا من 20 كليةً، تمَّ انسحاب أكثر من ثلثهم إما بقرارٍ شخصي أو نتيجة ضغوط مختلفة، وانتهى الأمر إلى 41 مرشحًا من 18 كليةً يتنافسون على 15 مقعدًا، وقد تصدَّر الانتخابات قائمتان، قائمة الرسالة (التي تدعمها إدارة الجامعة) ويتقدمها عميد كلية الحقوق أ.د. أسامة الفولي وأ.د. محمد عبد الرازق من كلية الهندسة، وقائمة لجنة الحريات وعلى رأسها أ.د. صادق كساب (كلية الهندسة)، أ.د. مصطفى سعد (كلية الطب)، وقد شهدت هذه الانتخابات دعايةً وحشدًا غير مسبوقين.
وقد أدار الانتخابات أ.د. سعد الخوالقة (نائب رئيس الجامعة الأسبق، ورئيس لجنة تسيير نقابة المهندسين، وأحد رموز الحزب الوطني)، وأشرف على النظام فيها أ.د. عزت خميس (نائب رئيس الجامعة الأسبق)، ودعا إليها المفوض على النادي، أ.د. أحمد السيد (وكيل كلية الزراعة الأسبق).
المخالفات المرصودة
وقد شاب الإجراءات الانتخابية الملاحظات التالية:
- بدأ التصويت للانتخابات في اثنتي عشرة لجنة، كل منها مُحاطة بساتر يحجبها، والصناديق الزجاجية دون أقفال، واستمرت الصناديق مفتوحة لأكثر من ساعة بعد بدء التصويت.
- قام ممثلو الشئون الاجتماعية بمنع مندوبي المرشحين الذين اختارتهم الجمعية العمومية من التواجد في اللجان، واستمرَّ ذلك لأكثر من نصف ساعة بعد بدء التصويت، حتى ضجَّ أعضاء هيئة التدريس فقام المفوض على النادي بإدخالهم.
- خلال التصويت انقطع التيار الكهربي لعدة دقائق صارت خلالها جميع اللجان في ظلامٍ دامسٍ حتى عاد التيار.
- رغم تنبيه أ.د. عمر السباخي (مقرر لجنة الحريات) في بداية الجمعية العمومية إلى أنَّ لائحةَ النادي لا تجيز التوكيلات في التصويت للانتخابات، إلا أنه تمَّ السماح بها، وقد تمَّ ضبط العديد من التوكيلات المختومة على بياض مع أعضاء هيئة تدريس (منها خمسة توكيلات مع فردٍ واحد)، وقد صورت الصحافة وبرنامج العاشرة مساءً هذه الواقعة.
- لم يسمح برقابة كافية على اللجنة الرئيسية التي جمَّعت نتائج اللجان الفرعية.
ملاحظات وتحليل لأرقام النتائج
من واقع النتائج التي أذاعها أ.د. سعد الخوالقة نلاحظ الآتي:
- أن عدد المرشحين 41 (24 أستاذًا، 10 أساتذة مساعدين، 7 مدرسين)
- اشتملت استمارة التصويت على ملاحظة أنه لصحة الصوت يلزم أن يكون عدد المنتخبين في الاستمارة الواحدة خمسة عشر، (خمسة أساتذة وخمسة أساتذة مساعدين وخمسة مدرسين)، هذا يستتبع أنه إذا كان هناك ألف ناخب، فإن مجموع الأصوات التي يحصل عليها جميع الأساتذة تكون خمسة آلاف ومثلها للأساتذة المساعدين ومثلها للمدرسين.. هذا التساوي في الأصوات للدرجات الوظيفية المختلفة لم يتحقق في النتائج المعلنة، فمجموع الأصوات المعلنة للأساتذة هو 5851، بينما الأصوات التي حصل عليها الأساتذة المساعدون 5680 (بفارق 171 صوتًا) والمدرسون 5813، كذلك يجب أن يكون مجموع الأصوات لكل فئةٍ يقبل القسمة على خمسة، وهو غير محقق للأساتذة والمدرسين.
- أنه في ضوء المعطيين السابقين، فإنَّ المنافسةَ كانت محتدمة للأساتذة؛ حيث يتنافس 24 أستاذًا على 5 مقاعد؛ لذلك سنركز فيما يلي على تحليل نتائج انتخاب الأساتذة:
لجميع الداخلين إلى النادي كان أعضاء قائمة الرسالة يوزعون قائمتهم التي عُرفت باسم قائمة أ.د. أسامة الفولي (كارت كحلي مميز) وعلى رأسها اسم أ.د. محمد عبد الرازق (كلية الهندسة)، ولم تشتمل على اسم أ.د. محمد عبد العزيز سلامة (كلية التربية الرياضية). أثناء الفرز تلاحظ أن هناك تكراريةً كاسحةً لقائمة جديدة تُمثل قائمة الرسالة في مجملها بعد استبدال اسم أ.د. محمد عبد الرازق في موقع الأساتذة باسم أ.د. محمد عبد العزيز سلامة، وما يستتبع ذلك من تعديلات، وكان الاكتساح واضحًا لدرجة جعلت لجان الفرز للعديد من الصناديق تجمع الاستمارات المصوتة للقائمة الكاسحة لتضع لأفرادها أعداد المصوتين لهم جملةً واحدةً، ثم تفرز باقي الأصوات تباعًا.
وقد أسفرت نتيجة الانتخابات عن الآتي:
- قائمة أ.د. أسامة الفولى (الرسالة) حصل أ. د. محمد عبد الرازق المتصدر للقائمة على 237 صوتًا، بينما تراوحت أصوات باقي أساتذة القائمة بين (485، 725) بمتوسطٍ حسابي يتجاوز الـ600 صوت (609 أصوات)!!
- أ.د. محمد عبد العزيز سلامة الذي ظهر اسمه في القائمة المفاجئة التي اكتسحت حصل على 472 صوتًا.
- قائمة الحريات، تراوحت أصوات الأساتذة بين 258-360 صوتًا، بمتوسط يتجاوز الثلاثمائة صوت.
هذا التفاوت الكبير بين ما حصل عليه أ. د. محمد عبد الرازق وباقي أساتذة قائمة الرسالة جعل الكثيرين يرجحون حدوث السيناريو التالي:
- أن 237 صوتًا التي حصل عليها أ.د. محمد عبد الرازق تُمثل الحجم التصويتي الفعلي لقائمة الرسالة؛ لأن اسمه كان في مقدمة قوائم الدعاية التي وُزعت على الجميع أثناء دخول الجمعية العمومية، ويمكن دون تجاوز القول إنَّ جمهور القائمة هم 200 شخص، 37 الباقين من زملائه ومعارفه.
- أن 472 صوتًا التي حصل عليها أ.د. محمد عبد العزيز سلامة يمكن تقسيمها دون تجاوز كبير إلى 400 صوت من القائمة الكاسحة، 72 صوتًا من أصدقائه وزملائه.
- أنه في ضوء هذا التفسير فإنَّ باقي أساتذة قائمة الرسالة الذين تكرر اسمهم في القائمتين حصلوا على 600 صوت (200 من قائمة الرسالة + 400 من القائمة الكاسحة)، وهو ما تحقق بالفعل في المتوسط.
- أي أنَّ الفائزَ الحقيقي ليس قائمة الرسالة كما أعلن (200 صوت)، وليس قائمة الحريات (300 صوت)، بل هي القائمة الكاسحة التي بزغت فجأة (400 صوت)، الاستفسار القائم الآن كيف تحقق هذا النجاح الكاسح لقائمة ظهرت فجأة؟؟
يقول بعض الخبثاء، حينما يتزامن حدوث التصويت والصناديق دون أقفال، واللجان دون مندوبين، وتظهر توكيلات مختومة على بياض، وينقطع التيار الكهربائي، فليس من المستغرب أن تظهر في الصناديق 400 استمارة تشمل هذه القائمة الكاسحة، التي هي هي قائمة الرسالة بعد استبعاد أ.د. محمد عبد الرازق المعروف بتوجهه الإسلامي.
حاولتُ أن أُغمض عيني، أن أسكت، لكن الأرقام تصرخ أمامي.. فهل تكذب الأرقام.
----------
* أستاذ بهندسة الإسكندرية- عضو لجنة الحريات بنادي أعضاء هيئة التدريس