بهاء فرح*

"أنا من أعطيتكم الديمقراطية، وأنا أستطيع أن أسلبها منكم متى شئت"، ربما هذه هي العبارة التي أراد الرئيس محمود عباس أن يقولها للشارع الفلسطيني عندما أصدر قراره الأخير باللجوء إلى انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة، بعد أن فشلت الأطراف المتحاورة في الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، على حد قوله.

 

فتح التي طالما تغنَّت بأنها رعت العملية الانتخابية، وسهلت الديمقراطية في فلسطين، ونقلت سلميًّا- كما تقول- السلطة إلى حركة حماس، أبدت بهجةً عارمةً بالقرار الذي اتخذه عباس، والذي رأت فيه مخرجًا لها من ورطتها ومشاكلها الداخلية، وربما أيضًا عودةً إلى نفوذها وإمساكها بزمام الأمور كما كانت، ربما بعودة قوية إلى المجلس التشريعي والحكومة الفلسطينية، بغضِّ النظر عن مدى دستورية القرار الذي اتخذه عباس.

 

وبعيدًا عن عدم دستورية هذا القرار، والذي لا يختلف عليه اثنان- ربما حتى من الذين لا يفقهون القانون ولا حتى السياسة- يبقى التساؤل عن جدية الطرح المقدم من الرئاسة؟ ومن يحيطون بها؟ وعن مدى ديمقراطية الانتخابات التي ربما تجري في وقت مبكر؟ ومدى أخلاقية هذه الانتخابات، إن جرت فعلاً؟

 

عزام الأحمد- رئيس كتلة حركة فتح في المجلس التشريعي- أعلن يوم الجمعة في مؤتمر صحفي له أن الرئيس عباس سيُصدر مرسومًا رئاسيًّا يحدد بموجبه موعد إجراء الانتخابات المبكرة، وفي نظره فإن هذا الموعد سيكون بعد أن تتوفر الأجواء الفنية والسياسية والأمنية المناسبة لإجراء الانتخابات.

 

هذا التصريح يحتاج إلى وقفة طويلة ودراسة متأمِّلة للحالة الفلسطينية السائدة، ومحاولة استنتاج ما إذا كان من الممكن أن تتوفر مثل هذه الأجواء التي تحدث عنها الأحمد، خصوصًا في ظل التصعيد الخطير من عدة جوانب، والضغوط التي تمارَس على الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه؛ لمحاولة التأثير على رأيه وعلى مواقفه تجاه قضيته أولاً وتجاه حكومته وقيادته ثانيًا.

 

فعلى الصعيد الدولي برَزَت أزمة الحصار السياسي والاقتصادي المفروض على شعبنا منذ الانتخابات التشريعية في بداية العام الجاري، وهذا الحصار ناتجٌ عن نتائج الانتخابات التي شهد العالم بنزاهتها، إلا أنها لم تتوافق مع رغبة الأطراف الغربية، التي رأت في قدوم حركة حماس- المصنفة على قائمة الإرهاب في أمريكا وأوروبا- تهديدًا للمصالح الصهيونية في المنطقة، وخطرًا على مشاريع التسوية.

 

ترافق ذلك الحصار مع اختطاف النواب المنتخَبين شرعيًّا ضمن قوائم الإصلاح والتغيير، وعدد من الوزراء في الحكومة الفلسطينية؛ الأمر الذي شلَّ عمل المجلس التشريعي، وأثَّر في دوره التشريعي والرقابي في الساحة الفلسطينية.

 

من غير الأخلاقي مجرد الحديث عن انتخابات مبكرة في ظل ما ذكرنا على مستويين، الأول: استفتاء شعب بعد تجويعه، المعنى أننا وبعد هذا التجويع نأتي ونقول للشعب الفلسطيني: ها أنت قد رأيت نتيجة خيارك في المرة الأولى، فإما الرجوع عن هذا الخيار وإما استمرار التجويع لأطفالك، والثاني: إجراء انتخابات في ظل استمرار اختطاف النواب المنتخَبين ديمقراطيًّا، وهذا معناه- دون تحريف- إعطاء إشارة خضراء لسلطات الاحتلال باستمرار اختطافهم.

 

وفي ظل الحديث عن أجواء سياسية مناسبة، يدفعنا ذلك للتطرق إلى اتفاق جمَع عشر فصائل فلسطينية في دمشق، مثَّلها أمناؤها العامون وأعضاء مكتبها السياسي، وكان من بينهم السيد فاروق القدومي ممثلاً لحركة فتح، وهذا الاتفاق نصَّ على عدم القبول بإجراء انتخابات مبكرة، واعتبار مجرد الحديث عنها انقلابًا على خيار الشعب الفلسطيني.

 

ومنذ الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة سادت حالة من الغليان في الشارع الفلسطيني كانت نتيجتُها قتلى وجرحى ومختطفين، وما زالت الأجواء متوترة، فعن أي أجواء سياسية مناسبة يتحدث السيد الأحمد؟! هل معنى ذلك توافق كافة الفصائل على إجراء هذه الانتخابات؟! أو وعود من الجانب الصهيوني ومن الغرب للرئيس عباس بتحسين الأجواء إذا ما تم تجاوز حركة حماس وإجراء هذه الانتخابات؟! أو انتظار نتائج لقاء عباس بأولمرت، وزيارة بلير إلى المنطقة، وإشارة أمريكية بأن الأجواء باتت مناسبةً لأحداث الانقلاب المرتقب؟! عبارة الأحمد تحتاج إلى كثير من التفسير كي يتقبلها الشارع المحتقن دون ثورة أو اقتتال.

 

وعلى الصعيد الأمني فقد رأينا ما حدث في رام الله في احتفال حركة حماس بانطلاقتها التاسعة عشرة، والاعتداء على المصلين وعلى المسجد، دون تفريق بين شبان وشيوخ أو رجال ونساء، أو حتى احترام لحرمة المسجد الذي كسرت نوافذه، وأطلقت الأعيرة النارية في داخله، وسالت دماء المصلين في ساحته.

 

مَن شارك في هذا القمع للمسيرة السلمية الحاصلة على الترخيص من قيادة شرطة المحافظة هم رجال الأمن، وأعني الشرطة وأمن الرئاسة والأمن الوطني والأمن الوقائي، إضافةً إلى عناصر من كتائب شهداء الأقصى.. هذا الاعتداء تكرر أيضًا في مدينة نابلس بعد أسبوع من الأحداث التي جرت في رام الله.

 

أفراد الأمن هم من ستُوكل لهم مهمة الحفاظ على سير ونزاهة العملية الانتخابية إن جرت، وهم نفسهم الذين اعتدَوا على مصلِّين لدى انتهائهم من صلاة الجمعة، كيف يمكن إذن الثقة بأن هؤلاء سيحافظون على ديمقراطية ونزاهة الانتخابات؟! إن كانت نتيجة المشاركة في مسيرة لذكرى انطلاقة حماس عشرات المصابين، منهم بعض الحالات الخطرة، فماذا ستكون نتيجة الخروج للتصويت لحركة حماس؟! ربما ستكون الدماء هي عنوان أي انتخابات قادمة دون توافق بين الفصائل، في ظل هذا الاحتقان السائد!!

 

رأي الشارع الفلسطيني يمكن قراءته من خلال تلك الحشود التي خرجت للمشاركة في ذكرى انطلاقة حركة حماس، عشرات الآلاف تجمَّعوا في ملعب اليرموك بغزة لتجديد البيعة للحركة، آلاف أيضًا شاركوا في الحفل في مدينة نابلس، رغم إطلاق النار عليهم من قِبَل مسلَّحين من فتح، وآلاف أيضًا تجمَّعوا في مسجد البيرة الكبير لإحياء نفس المناسبة وتم قمعهم بالقوة.

 

الانتخابات التي تتعالى الأصوات الداعية لها من قبل أشخاص باتوا معروفين بنواياهم للشعب بأكمله، وبات من الواضح للجميع أن المصلحة الشخصية والرغبة في العودة للكراسي هي فقط ما يدعو البعض للإقدام على هذه المغامرة الخطرة، وأن المصلحة العليا للشعب الفلسطيني باتت غائبةً وبشكل كبير عن أجندة بعض المتنفذين، والذين هم أصلاً منبوذون من قبل الشعب الفلسطيني، ودليل ذلك أن جزءًا كبيرًا منهم خاض الانتخابات الأخيرة وفشل فيها.

 

استخدام الشعب الفلسطيني كورقة مساومة بيدِ البعض يلجأ إليها كلما اقتضت الحاجة ليس بالأمر البسيط، وليس أيضًا بالمقامرة المضمونة النتائج، فالغليان الذي يسود الشارع لا ينبئ بنتائج طيبة على جميع المستويات، انتخابات مزوَّرة دموية، ونتائجها ربما تكون هي الطريق نحو الهاوية للشعب وقضيته، والداعون لها هم المستفيدون الوحيدون من الأجواء الاقتتالية وحالة الغليان بين فصائل المقاومة.. هذه ستكون ملامح الانتخابات المبكِّرة التي يدعو لها عباس وأعوانه.

----------

* المستشار الإعلامي لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني.