كنت فيما سبق من العمر أستمتع (سخريةً) بكتابات موسى صبري في الوقت الذي كان يكرهه الجميع؛ لشدة نفاقه للسلطة وللرئيس السادات (الله يرحمه) وسبب إعجابي بموسى صبري أنه كان واضحًا في منهجه الذي اختاره لنفسه، ولإصراره العجيب على المضيِّ قدمًا في تلك الطريق، رغم نصْح الناصحين ومنهم علي أمين وأخوه مصطفى عليهما رحمة الله.
ثم انتقل إعجابي إلى سمير رجب، فقد فاق موسى صبري بمراحل، وأصبح الرجل لا ينافق الرئيس، بل يتمسَّح بأعتاب السيدة الأولى ومَن يزُر سوق العبور في طريق العاشر من رمضان سيجد تحت أحد الكباري لافتة لا تزال تقرن اسمه باسم السيدة الأولى في واحد من المشاريع الفاشلة.
واليوم وبعد أن افتقدت موسى صبري لموته وسمير رجب لعزله لم أجد سلوايَ إلا في الأخ أسامة سرايا، فهو رجلٌ لذيذٌ، يعرف كيف يضحكني، وما أكثر تلك المرات التي أضحكني فيها حتى كدتُّ أستلقي على قفاي من الضحك.
أسامة سرايا لو تغيَّر في نهجه وفي فكره لظنَنْتُ أن الدنيا تغيَّرت وأن الساعة أوشكت، الرجل يسافر مع الرئيس ومع ابن الرئيس، وهو يعلم أن زيارات السيد الرئيس الأخيرة بالذات هي زياراتٌ ترفيهيةٌ وجولاتٌ كما عبَّر عنها الأستاذ عبد الله السناوي بأنها أقرب إلى العلاقات العامة، لكنه يصرُّ على أن مصر في المركز والقلب والكبدة والفشة.. الرجل يعلم أن هذا الكلام مضحكٌ جدًّا و"مفرفش" للغاية؛ لذا فأنا أقرأ له ومستعدٌّ أن أستمر في القراءة لعشر سنوات لو استمر على وتيرة ومنهج "اضحك فرفش".
سرايا لا يرى في مظاهرات العمال مؤشرًا على شيء جدي، ولا يرى مظاهرات الطلاب إلا أنها مؤامرةٌ إخوانية، ولا يرى الدنيا من حوله إلا من خلال الورقة الأمنية التي تُرسَل إليه وإلى جميع رفاقه في الصحف القومية التي من المفترض أن أكون أنا وأنت عزيزي القارئ من ملاَّكها وفقًا للقانون.
سرايا لا يرى في الاحتقان المستمر والمتنامي والغضب الشعبي شيئًا يمكن أن يعطيه فكرةً جيدةً لمقال عن الإصلاح وتخفيف قبضة الأمن..
سرايا ليس معنيًّا بالقتلى في حوادث البواخر والعبَّارات ولا بضحايا القطارات ولا باغتصاب الأطفال والتحرش الجنسي والتراجع الاقتصادي ولا بأي شيء..
سرايا معنيٌّ فقط بقياس حجم المسافة بينه وبين السلطة، وكلما اتسعت بفعل عدم الإخلاص كلما زاد من عدائه للشعب ومصالحه؛ لأن في تلك العدواة قربًا من النظام.
سرايا عبْر الفضائيات وفي أوج المعمعة الانتخابية يتحدث عن الإخوان وعن أحقيتهم في العمل السياسي، لكنَّ سرايا عبر (الأهرام) لا يعرف سوى نفس العبارات التي كُتبت في الستينيات ولا تزال تُستخدم (الجماعة المحظورة والإرهاب وإلى آخره).
لا يرى سرايا في انتفاضة الطلبة على القيود وعلى السيطرة والهيمنة الأمنية شيئًا يجب الالتفات إليه، بل يرى أن طلبة الإخوان هم مصدر الخطورة، وأن مسرحيةً كفيلةٌ بهزِّ وسط النظام وخلخلته، كما عبَّر الدكتور أحمد الطيب- رئيس جامعة الأزهر- الذي قال في لقاءٍ مع (دريم): لقد زلزلنا وشعرنا بعدم الأمن.. من ماذا؟! يا فضيلة المفتي السابق؟! من مسرحية طلابية كان الأمن المركزي يحاصرها!!
نسي هؤلاء جميعًا أن الأمن المركزي كان داخل الحرم الجامعي وتذكَّروا طلبة لم يستطيعوا السيطرة على مشاعرهم من فرط القهر والجبروت الأمني وعددهم محدود جدًّا كما شاهدنا التقارير المتلفزة والمصوَّرة.
نسي هؤلاء جميعًا حجم الهجمة الأمنية الغاشمة التي تواكبت مع إطلاق يد قوة الرئاسة الفلسطينية في الضفة والقطاع ضد حماس من جديد.
سرايا يرى أنه لا بد من وقفة مع الجماعة المحظورة، وأسأله هذه المرة بجدية- بعيدًا عن الضحك- ماذا في جعبته؟ وما هي نصيحته للسلطة؟ وسأحاول أن أساعده:
اعتقال الطلبة فقد حدث ولا يزال!!
فصل الطلبة.. يعودون من جديد ويحتلون المراكز الأولى في جامعاتهم.
اعتقال كافة القيادات.. لقد تم هذا من قبل، ولم يمضِ يومان على الإفراج عن العريان، حتى تم اعتقال الشاطر ومن قبل العريان كان الدكتور بيومي وغيره ممن لا أذكر أسماءهم، وإن تمنيت ذلك.
اعتقال عمال الإخوان أفرز فوز بعضهم في انتخابات النقابات.
اعتقال الإخوان كلهم جميعًا.. هل لديكم سجون تكفي؟!
إصدار قوانين جديدة تمنع ترشيح أي منتمٍ للجماعة، وما يدريك لعل لدى الجماعة رصيدًا احتياطيًّا غير معروف؟! فلماذا تصعب مهمة الأمن لكي يبدأ رحلة البحث والتصنيف والمتابعة؟! فالموجود من الإخوان المعروفين فيهم البركة.
ماذا يريد سرايا؟!
لم يبقَ سوى محرقة على طريقة الهولوكوست.. ليس بعد الاعتقال والتشريد والسجن والمحاكمات العسكرية والتشنيع ذنب..!!
ماذا نقول لعقول هكذا نشأت وترعرت على الانتقام ممن يخالفهم أو يخالف مولاهم؟!
ماذا نقول لصحفيين لم يرقوا إلى مرتبة شرف القلم الذي يحملونه؟!
ماذا تقول لمن يدَّعي أنه ديمقراطي ثم ينتفض بعد أن تظاهر مجموعة من الطلبة؟!
أي دولة تلك التي تهزها مظاهرات طلابية؟!
وأي حزب هذا الذي لا يستطيع الصمود في وجه انتخابات عمالية؟!
وأي سلطة تلك التي تخشى إجراء انتخابات جديدة حتى لا يفوز فيها خصمهم السياسي؟!
لو كان سرايا رجلَ مواقف حقيقيًّا لسألته: لماذا لا يقنع السلطة بإشهار حزب للإخوان،
ولننظر: هل سيلتزمون أولاً لتمنحهم الدولة فرصة التعبير عن أنفسهم بدلاً من الكبت والجبروت الذي لا يُنتج سوى مزيد من الانتشار والتأييد..؟ أنتظر الإجابة من الأستاذ سرايا، ولكني على يقين أن سرايا لا يُجيد القراءة إلا إذا كانت من فوق لتحت.. تحت السطور!!
تابعت على مضض مقابلة د. أحمد الطيب- رئيس جامعة الأزهر في برنامج (العاشرة مساء).. لقد كان الرجل مهزوزًا للغاية، مرتبكًا، ردَّد كلمة الأمن عشرات المرات، وكال المديح لرجال الحرس عدة مرات، واستخدم ألفاظًا لا تليق بأستاذ جامعي ولا بمفتٍ سابقٍ، مثل: هؤلاء مثل النعاج التي يسيطر عليها الذئب.. لقد خانه التوفيق في أكثر من عبارة، وبدت عليه الشماتة مع محاولات المذيعة الناجحة منى الشاذلي إعطاءه فرصة للتصحيح والتصويب، لكنه كان خارج نطاق التغطية!!