بقلم: د. حامد أنور

أبى خريف 2006م أن يمضي إلا مصطحبًا معه بعض أفراد السياسة الأمريكية بعد أن هبَّت ريح الانتخابات على الكونجرس ومجلس الشيوخ وحدث ما حدث للجمهوريين والمحافظين الجدد من هزيمة مخيبة أو قُل إن شئت فضيحة مدوية، ولقد كان العراق هو محرك رياح التغيير تلك وموجِّهًا لها، فصواريخ المقاومة العراقية لم تكن تسقط الصواريخ الأمريكية في سماء بغداد فقط بل كانت تسقط أيضًا أقطاب المحافظين الجدد في سماء أمريكا، فها هو بولتون يُقدِّم استقالته ومن قبله رامسفيلد، فوداعًا بولتون، ووداعًا رامسفيلد!!

 

ويا أيها المراهنون على أمريكا.. ها هم المحافظون الجدد يتساقطون كما تتساقط أوراق الخريف.

 

إن سياسات المحافظين الجدد ولدت ميتةً وتحمل في طياتها عوامل الاندحار، فأناس يهتمون بأمن الكيان اليهودي قبل أمن شعوبهم ومصلحة اليهود قبل مصالح بلدانهم.. لا بد أن تلفظهم شعوبهم ويطردهم مواطنوهم، فلقد نشرت جريدة (الأهرام)- نقلاً عن جريدة (النيو يوركر)، بتاريخ 13 من نوفمبر في صفحتها الخامسة- أن كينيث أدلمان أحد أصدقاء رامسفيلد أبلغ رامسفيلد أن واشنطن تخسر الحرب في العراق، فأخذ رامسفيلد يكلم نفسه لمدة عشرين دقيقة، ثم قال إننا نستطيع أن نخسر الحرب في أمريكا ولكن لا يمكن أن نخسر الحرب في العراق، حقًّا لقد أصبح العراق هو مقبرة الأحلام الأمريكية، وبداية أفول نجم الإمبراطورية الحمقاء.

 

إنَّ مَن يعتقد أن المحافظين الجدد موجودون فقط في أمريكا فإنه مخطئ، فهم موجودون أيضًا في أوروبا.. أليس توني بلير من المحافظين الجدد؟! ألا يعتبر بيرلسكوني- رئيس وزراء إيطاليا السابق- من المحافظين الجدد؟! أليس البابا بيندكت الثاني من المحافظين الجدد؟.. بل إنَّ بعض القادة العرب من المحافظين الجدد أولئك الذين يرون جميعًا أن أمن "إسرائيل" خط أحمر، وأن حمايتها وحماية مصالحها أمانة في أعناقهم، فالكيان الصهيوني هو قلب العالم الغربي الذي يعيش خارجه وكل السياسات الغربية تدور في فلكها؟! ألم يكن أول المعترفين به هم قطبَي العالم سابقًا، رغم الاختلاف الكامل بينهما أيديولوجيًّا وسياسيًّا وكل شيء؟!

 

إن الصراعَ الغربي لم يكن دومًا من أجل مصلحتنا ولا يمكن أن يلعب العرب والمسلمون عليه؛ لأنه ليس سوى في الوسيلة المثلى في السيطرة علينا، وما بينهم من خلافات ظاهرة ليس سوى توزيع الأدوار على المائدة، فالذئاب لا تتصارع من أجل الفريسة بل من أجل الحصول على أكبر قدر منها، ولقد كان مصطفى كامل يعتقد غير ذلك، فكان أيام الاحتلال البريطاني يُثير قضية الاحتلال في الخارج، وكان يظن أن فرنسا ستسانده في ذلك إلى أن فجع بالاتفاق الودي الذي عقد بينها وبين بريطانيا عام 1904م، فأدرك الرجل الحقيقة ومات كمدًا بعد ذلك بأربع سنوات.

 

إن المحافظين الجدد ليسوا عدة أشخاص ولا مجموعة من الأفراد بل هي عقيدة أيديولوجية اختمرت في العقلية اليهودية أيام سبي بابل؛ انتظارًا للمخلص الذي يحررهم ويجعل العالم كله خاضعًا لهم يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وظلت الفكرة معهم بعد رفع المسيح إلى السماء ولم يُحقق لهم ما كانوا يحلمون، فثاروا ثورةً عارمةً حتى انهدم الهيكل فوق رؤوسهم على يد تيطس عام 70 ميلادية.

 

هذه الفكرة اتضحت معالمها في يثرب حين كانوا يرددون: سيظهر فينا نبي قد أظلنا زمانه سنقاتلكم به قتل عاد وإرم، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، وتسمَّوا بأسماء عربية وتحدثوا بلسانها، فلما خرج من بني إسماعيل وسبقهم العرب إليه أبَوا ورفضوا وطُردوا بعد ذلك من جزيرة العرب وانطلقوا إلى أوروبا، واشتعلت الفكرة من جديد في الجيتو اليهودي فبلغت ذروتها عام 1666م، كما أورد ول ديورانت في كتابه (قصة الحضارة) في معرض حديثه عن اليهود في أوروبا؛ حيث أشار إلى أنَّ هناك شخصًا يهوديًّا اسمه سبتاي زئيفي ادَّعى أنه المخلص وأنه المنتظر الذي سيعيد لليهود مجدهم وتعلقت به أحلام اليهود في أوروبا، حتى إنهم أهملوا أعمالهم ووظائفهم، واتخذوا سبيل الهبة للذهاب إلى فلسطين، وانتقل الرجل إلى مصر وفلسطين واتبعه الكثير من الحاخامات، وأعلن أنه متجه إلى الأستانة لإسقاط الخلافة العثمانية وإقامة ملكوت السموات.

 

وحارت الدولة العثمانية في التعامل معه، فلو قتلته سيتحوَّل إلى شهيدٍ وتزداد حركته انتشارًا، فقررت أن تسجنه وتسحله في الشوارع أو أن يختار الإسلام فاختار الإسلام؛ مما أصاب اليهود في العالم بهزَّةٍ عنيفةٍ، وأصبحوا على حدِّ قول ديورانت أضحوكةَ العالم، ولكنه أرسل إلى أتباعه يُخبرهم بأنه تظاهر بالإسلام حتى يضم المسلمين إليه، وانتهى الأمر بموته عام 1676م، ولكنَّ أتباعه أخذوا يعدون بقيامته من بين الأموات (ول ديورانت- قصة الحضارة.. الجزء السابع عشر).

 

واستمرت تلك الفكرة حتى صاغها هرتزل من جديدٍ وأثمرت عن قيام الكيان اليهودي عام 1948م، أي أنَّ وولفويتز وبولتون ورامسفيلد قد ألفَوا آباءهم على هذا الضلال وهم على آثارهم يهرعون.

 

ولكن هذه العقيدة استيقظت على كابوس الحادي عشر من سبتمبر واصطدمت بعقبة كئود في العراق وخرج لها مقاتلو عز الدين القسام في غزة، وجاءتها المحاكم الإسلامية من حيث لا تعلم، فرحم الإسلام رحِمٌ وَلودٌ لا يصيبها العقم، وأرضه خصبة لا تعرف الجدب، قد يتأخر عنها المطر، ولكن ما إن أتتها بعض القطرات اهتزَّت ورَبَت وأنبتت من كل زوج بهيج.

 

عندما استقال أو أُقيل وولفويتز أخذوا يبحثون له عن وظيفة حتى لا يواجه شظف العيش ولا يتعرض لمرارة السؤال، فعيَّنوه رئيسًا للبنك الدولي، وهذا يذكِّرنا بـ"عاطف عبيد"- رئيس وزرائنا السابق- ورامسفيلد رجل أعمال، أما بولتون فماذا يعمل المسكين ويبدو أنهم يبحثون له عن عقد عمل، ولكن بولتون رجل محظوظ كعادته، فهناك شركة بجانبنا أعلنت عن حاجتها لموظفي أمن والمواصفات تنطبق على بولتون تمامًا شارب كث.. ملامح جامدة.. ووجه بارد.
ولكن هل من فشل في جلب الأمن لبني جلدته يستطيع أن يجلبه للآخرين؟!