أرجو أن أكون واضحًا منذ البداية أنني من أشدِّ أنصار الحوار الإيراني الأمريكي لصالح السلام في المنطقة بدلاً من المواجهة المدمِّرة، كما أنني أرجو أيضًا أن يكون واضحًا أن استقرار العراق والمنطقة لن يتحقق إلا بتعاون إيران والعرب مع الإخوة العراقيين جميعًا لإعادة بناء وطنهم، وأن التدخل الدولي- ومن بعض دول الجوار- هو آفة المأساة العراقية، وأن تقرير بيكر- هاملتون كان يجب أن يوصي حكومته بالحوار مع القوى العراقية وفي مقدمتها المقاومة، بدلاً من إلقاء المسئولية عما حلَّ بالعراق على ما أسماه "المتمردين السنة".

 

كما أنني أحذِّر بوضوح من أن التوصية بالحوار مع إيران في ضوء هذا التوجه يعني مستقبلاً مظلمًا للعراق، وغدًا مزدهرًا للعلاقات الإيرانية الأمريكية على حساب استقرار المنطقة والمصالح العربية، وهذا ما يجب أن يدركه العرب جيدًا وهم يقرأون التقرير الأمريكي، ولا يجوز اجتزاء بعض الفقرات أو التوجهات كما حدث من بعض الدول العربية.

 

لقد أوصى تقرير بيكر هاملتون بالدخول في مفاوضات مع إيران وسوريا على افتراض أن كلتا الدولتين لهما دور في العراق ويستطيعان مساعدة الولايات المتحدة، من خلال مفاوضات يحصل كل من الأطراف الثلاثة على ما يرضيه.

 

ويهمنا في هذا المقام أن نحاول التعرف على ما تتوقعه واشنطن من كل من سوريا وإيران وبشكل أخص إيران، وما هو سياق ونطاق المفاوضات التي تتصورها واشنطن؟ وماذا تستطيع إيران أن تقدمه فعلاً لواشنطن على ضوء تحديد واشنطن لما تريده حصرًا من التفاوض؟ وجوهر التفاوض بشكل خاص في رؤية إيران ورؤية واشنطن؟!

 

تريد إيران من واشنطن الانسحاب الفوري من العراق؛ لأن وجود القوات الأمريكية واستمرار النزاع حول الملف النووي وتذبذب احتمالات الهجوم العسكري على إيران لا شك يمثِّلُ هاجسًا مُخِيفًا لإيران، ويركِّز اهتمامها على معركة البقاء وليس فقط على معركة سياسية محدودة في نطاقها الجغرافي، كما لن تكون محدودةً في أهدافها على الأقل من جانب واشنطن، خاصةً أن الكيان الصهيوني هو الطرف الأساسي في الملف الإيراني الأمريكي والمؤثر الأول على القرار الأمريكي في هذا الملف.

 

انسحاب القوات الأمريكية الكامل هدفٌ مثاليٌّ لإيران؛ لأنه يترك العراق فريسةً لها، وهذا أمر طبيعي ما دام العراق هو مصدر الخطر الرئيسي للأمن القومي الإيراني، وإيران لم يهاجمها أحدٌ من جيرانها، بينما قرَّر العراق غزوَ إيران لحساب الولايات المتحدة، وهو ما لقي فشلاً ذريعًا لتجاهله قواعد الجغرافيا السياسية والقراءة الدقيقة لموازين القوة التاريخية والفعلية.

 

من ناحية أخرى تصرُّ إيران على أن كل القضايا الخلافية مع الولايات المتحدة يمكن حلها بالمفاوضات، وأن التوتر القادم تحت عناوين مختلفة لا يعدو أن يكون أثرًا من آثار تمنع الولايات المتحدة من قبول ما لا بد من قبوله، وهو التعاون مع إيران، وتصر إيران أن تشمل المفاوضات كل القضايا وأن تعترف واشنطن بها كقوة إقليمية رئيسية، أي أنها اللاعب الإقليمي الأكبر في الخليج الذي له قول في كل شئونه.

 

وقد رفعت إيران سقف المخاطر أمام واشنطن حتى تتردَّد في الخيار العسكري وحتى يدفعها استحالة المخاطر الفادحة لهذا الخيار إلى قبول الحوار، وقد صرَّحت إيران مرارًا أنها مستعدةٌ لمساعدة الولايات المتحدة في العراق مقابل أن تقبَل واشنطن إيران بعد كل هذه العروض للقوة، من تصريحات وتصعيدات ومناورات سياسية ودبلوماسية وقانونية وبحرية وعسكرية في الخليج ودلالاتها التي لم تخْفَ على المراقبين.

 

ولذلك فإن اتجاه واشنطن إلى تخفيف رفض الحوار الشامل.. إلى توصية اللجنة المشتركة بقبوله.. إلى إصرار البيت الأبيض على أنه حوار.. محددٌ بموضوع العراق فقط في حدوده ولا يمتد ليشمل غير العراق، وهو محددٌ في دلالته، وهي أن لإيران دورًا بارزًا في العراق يستحيل معه معالجة ملف العراق بغير تعاون جوهري مع إيران بشأنه يلتقي مع الشكوى العربية من دور تخريبي لإيران في العراق، أي دور معادٍ للسنة والطابع العربي للعراق، ويلتقي ذلك مع شكاوى السنة من المذابح والتفجيرات في منازل السنة وأماكن العبادة ورموزهم الدينية والسياسية، واتهام الحكومة صراحةً بالضلوع في أنشطة الميلشيات الشيعية.. لا بد أن يرسم كله علامةَ استفهام على طبيعة التعاون بين إيران والولايات المتحدة في العراق، فأي نقطة في المسافة الفاصلة الآن على الأقل بين المواقف الإيرانية والأمريكية يمكن أن يلتقي الطرفان؟ أو بعبارة أخرى ما هي نقاط الاتفاق الممكنة والمحتملة، وما هي نقاط الخلاف التي لا يمكن للحوار أن يسويها؟!

 

يبدو أن واشنطن تَعتبر أن الموافقة على الحوار مع إيران بشأن العراق تنازلٌ كبيرٌ يجب أن يقابله تنازل إيران، وهو نفس الطلب الذي أصرَّت عليه واشنطن ورفضته طهران مرارًا وهو وقف تخصيب اليورانيوم، وهذا الشرط مفهوم على أنه مجرد حفظٍ لماء الوجه الأمريكي، وما دامت إيران تَعتبر أن كسر إرادة الرفض الأمريكي للحوار- سواءٌ في العراق أو الخليج أو الصراع العربي الصهيوني أو لبنان أو الملف النووي- قد تمَّ، وأن توصية اللجنة الأمريكية هو انتصارٌ للدبلوماسية الإيرانية، وأن المدخل الحقيقي لكل هذا الانتصار هو الورطة الأمريكية في العراق.. إذن أصبح من السهل علينا الاقتراب بشكل أفضل من جوهر موضوعات التفاوض.

 

المعلوم في فنّ التفاوض أنه يبدأ بعد التمهيد بالاتفاق على جدول الأعمال، وأظن أن قبول واشنطن للحوار مع إيران وإن قيَّدته بعض الشروط والتحديدات الشكلية لن يوقف الحوار عند العراق وإنما سوف يشمل كافة القضايا.

 

والطريف أن الكيان لم يعلن حتى الآن رأيَه في تقرير اللجنة فيما تضمنَّه من الحوار مع إيران، وإن كان أولمرت قد رفض ما ورد به خاصًّا بالصراع العربي الصهيوني، كما أن الطريف أن إيران أبدت موقفًا مطابقًا مع موقف الكيان، وهو ضرورة قصر الحديث على العراق، وعدم ربط قضية العراق بقضية فلسطين, وهو مؤشِّرٌ خطيرٌ في الموقف الإيراني يجب الالتفات إليه، فلو كانت طهران حريصةً على الضغط على تل ابيب لأيَّدت ما جاء في التقرير.

 

كما نعتقد أن تقرير اللجنة أشار إلى ضرورة تسوية الصراع العربي الصهيوني لهدف مرتبط تمامًا بالعراق، وهو تشجيع الدول العربية المجاورة للعراق على الانخراط في التصور الجديد الذي وضعه التقرير وركَّز فيه على تعاون دول الجوار مع الحكومة العراقية المنتخبة، ولا يمكن لهذه الدول أن تقدم هذه الخدمة لواشنطن لو أدركت أنها بذلك تساعد على تقارب إيران وواشنطن على حساب المصالح العربية في العراق، ويدرك التقرير أن الدول العربية لا يمكن أن تقبل بذلك، كما لا يمكن أن تقبل أو تتفرَّغ لما يُطلب منها، ما دامت إسرائيل تضع فلسطين على فوَّهة بركان، فلا تستطيع الدول العربية أن تغفل الدور الأمريكي المساند بطريقة عمياء للكيان وإبادته للفلسطينيين.

 

ويبدو أن واشنطن تعمَّدت إغفال هذا المفهوم الذي أصرَّ كلُّ الزعماء العرب- سواءٌ في قممهم أو في نصيحتهم للولايات المتحدة- على أن مفتاح الحل لأزمة العراق هو تسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وأن أي إصلاح في المنطقة مرهون بهذه التسوية أولاً، صحيح أن هذا الخطاب السياسي الرسمي العربي الذي ربط بين حلِّ الصراع العربي الإسرائيلي وبدء الإصلاح في الأوطان العربية وحلِّ القضية العراقية لم يركز أيضًا على أن جوهر الصراع في العراق هو الاحتلال، وأن نقطة البداية هي الانسحاب، وأن بداية الانفراج هو كفّ الدول جميعًا عن التدخل في العراق، وإنما مساعدة العراقيين على تسوية مشكلتهم واختيار نظامهم الذي يرونه مناسبًا لهم.

 

فما هي مشكلة واشنطن بالضبط في العراق؟ وكيف يمكن لإيران أن تساعد في حلها؟!
شدَّد التقرير على أن جوهر المشكلة هو تردِّي الأمن واضطراب الأحوال والإرهاب، وأشار بصراحة إلى أن "السنة العرب" هم الذين يقودون "التمرد"، وأن هذا التمرد هو الذي يشلُّ العملية السياسية، وأنه يجب أن تتعاون دول الجوار مع الحكومة العراقية في قمع هذا التمرد.

 

أكد التقرير أيضًا أن هذا الوضع أدَّى إلى إرهاق القوات الأمريكية وسقوط المزيد من الضحايا لأمريكيين وتردِّي مكانة واشنطن، ولم يُشِر التقرير إلى النزيف المالي والأخلاقي والفساد الذي كشفته الممارسات الأمريكية في العراق.

 

إن إيران لا تشجِّع المقاومة العراقية حتى يمكن القول بأن واشنطن تريدها أن تكفَّ عن هذا التشجيع.. ذلك أن إيران يسعدها أن تنجح المقاومة في إرهاب واشنطن وأن تهيِّئ أوضاعًا تدفع واشنطن إلى التعاون معها، وكان أَولى بواشنطن أن تحاور المقاومة وليس إيران.. المطلوب إذن أمريكيًّا هو أن تساعد إيران واشنطن على هزيمة المقاومة السنّية؛ حتى تستقرَّ الأوضاع للولايات المتحدة.

 

فهل يساعد العالم العربي أيضًا على إتمام هذه الزيجة التي تؤدي إلى تهميش السنة وتعظيم دور إيران وحلفائها في العراق ومنح إيران اليد الطُّولَى في تقرير أمور الخليج بشرط مراعاة الصالح الأمريكية؟!

 

أرجو أن يستعد العالم العربي جيِّدًا لمرحلة ما بعد التقرير وآثاره، والأَولى أن تتعاون إيران مع العالم العربي على إعادة ترتيب أوضاع العراق والتفاهم في قضايا الخليج وفق قواعد حسن الجوار والمصلحة المشتركة.