تابعنا وكلُّ المصريين، كما تابع كل المهتمين بشئون الإصلاح والتغيير في مصر التجربةَ الأخيرة لإنشاء اتحاد طلابي موازٍ للاتحاد الرسمي المعيَّن من خلال الدولة، وذلك ضمن محاولات كسر الحصار المفروض من الدولة وأجهزتها الأمنية على كل نشاط أو فئة لا تأتمر بأمرها أو تسير على نهجها.
بين الماضي والحاضر
لعل المتابع للشأن الطلابي داخل الجامعات يدرك أن تجربة الاتحاد الحرّ الموازي ليست وليدةَ اليوم أو مصاحبةً لانتخابات هذا العام، ولكنها بدأت منذ نهاية الثمانينيات وازدهرت وانتشرت خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة حتى نضجت وعمَّت هذا العام لعدة أسباب، منها:
- كان الاتحاد الحر في الماضي ينشأ كردٍّ فعلي فوري لاستبعاد بعض أو كل الطلاب الإسلاميين من قوائم المرَّشحين للانتخابات الطلابية، وكان جزءًا من سيناريو المسيرات الاحتجاجية على الاستبعاد من الانتخابات، وكان يتم في أغلبه دون حبكة إعداد أو خطة عمل تكفل له النجاح والاستمرارية.
- كان الاتحاد الحر في الماضي يولد ميتًا لغياب قناعة القائمين عليه بتعميمه ودعمه للتفعيل والإثمار.
- كان الاتحاد الحر في الماضي ينشأ في ظل وجود أُسَر نشاط طلابية وجمعيات علمية وفرق كشافة، وغيرها من الواجهات الطلابية المستقرة والمعروفة لدى الطلاب؛ بما يُتِيْح للقائمين عليها ممارسة النشاط دون مشكلة، خاصةً أن حصول الإسلاميين على الاتحاد الرسمي كان يعرضه للتجميد أو التهميش، وبالتالي كانت الكيانات البديلة موجودةً وفاعلةً حتى في ظل نشاط الاتحاد الرسمي.
- كان الاتحاد الحر في الماضي لا يُثير الضجَّة الإعلامية ولا الممارسات الأمنية والبلطجة الخارجية التي تجعل منه قضيةَ رأيٍ عامٍّ وتحوِّله إلى مشهد مشابه للانتخابات البرلمانية أو النقابية والعمالية.
- كان الاتحاد الحرّ في الماضي هو اتحاد الطلاب الإسلاميين- والإخوان منهم على وجه الخصوص- في ظل تجاهل التنسيق مع الآخر أو الحرص على دفع عموم الطلاب للمشاركة.
- كان الاتحاد الحر في الماضي يولَد كالطفل اليتيم داخل الجامعة دون أبٍ يرعاه من الأساتذة أو أعضاء هيئة التدريس أو أمٍ تحنو عليه وتفتح أبوابها له من مؤسسات المجتمع المدني كالنقابات والأندية.. أما اليوم فقد تبدَّل الحال في ظل حالة الحراك السياسي الموجودة بالشارع المصري، والتي ساهمت بجزء كبير في صناعة الحدث، بشكلٍ جعل منه تجربةً تبدو جديدةً وقويةً وتجتذب عموم الوسط الجامعي؛ لتكون محورَ حركتهم وحديثهم، بدءًا من رؤساء الجامعات والعمداء، ومرورًا بأجهزة الاعلام والأمن، ووصولاً إلى الطلاب أنفسهم.
فقد نجح الطلاب في أن يجعلوا من اتحادهم البديل قضية رأي عام، ويدخلوا بقوة ضمن معادلة الإصلاح التي تشهدها مصر مؤخرًا، ولعل مما ساعد على نجاح التجربة عدة عوامل:
1- توفر القناعة والحماسة لتفعيل هذا الكيان القديم الجديد من قِبَل طلاب الإخوان، وهم الجسم الأكبر في جسد الحركة الطلابية.
2- تعميم الأمر ليشمل عموم الطلاب (ذكورًا وإناثًا) بغض النظر عن توجهاتهم وانتماءاتهم ومشاركتهم الفاعلة كمرَّشحين وناخبين.
3- الشفافية والمصداقية التي جرت بها العملية الانتخابية.
4- تحوله إلى ضرورة حتمية كواجهة وحيدة يمكن أن يعبِّر الطلاب من خلالها عن آرائهم وأنشطتهم بعد سلب وغلق كل المنابر الجامعية المتاحة من أسر نشاط وخلافه.
5- التعامل العنيف من أجهزة الدولة (خاصةً الأمنية منها) مع التجربة والزجّ بالطلاب وذويهم في السجون (جامعة حلوان) وتبنِّي أعمال البلطجة (جامعة عين شمس).. أنشأ نوعًا من روح التحدِّي والإصرار لدى الطلاب لإنجاح التجربة.
6- التبنِّي الإعلامي الكثيف من عموم وسائل الإعلام، خاصةً المصري منها لإشعار المواطن بمصداقية متابعتها للأحداث (العاشرة مساء- المصري اليوم- الفضائيات العربية- بعض الصحف).
7- بروز أعضاء هيئة التدريس في المشهد الانتخابي، أعطاه زخمًا ومصداقيةً لدى عموم الناخبين والمتابعين.
الاتحاد الحر وآفاق المستقبل
وهنا تكمن الصعوبة ويبرز التحدي، هل سيُكتَب لهذا الاتحاد الصاعد بقوة أن يستمر وينمو؟!
وهنا أقول لضمان الاستمرارية والوصول لحالة نجاح لا بد من توافر عدة عوامل، رغم صعوبة تحقيق البعض منها، مثل:
1- استمرار التبنِّي الإعلامي له، من خلال إبراز رموزه وقياداته، وفق خطة عمل ومجموعة من الفعاليات، وتفعيل وسائل الكتابة، والحديث المستمر لوسائل الإعلام والتواصل مع الرموز الإعلامية الجادَّة.
2- الدعم الدائم لأنشطته من أعضاء هيئة التدريس وعدم الاكتفاء بالوقفة الانتخابية الأخيرة.
3- الحرص من مؤسسات المجتمع المدني (نقابات- أحزاب- جماعات- حركات) على أن يكون رموز الاتحاد أحد أبرز الحاضرين في أنشطتها، من مؤتمرات وورشات عمل وندوات وحلقات نقاشية، والبعد عن اعتبار أن الطلاب أو شباب الجامعات دون مستوى المشاركة أو إفراد مساحة لهم في الفعاليات؛ لأنهم وبوضوح الأقدر على التعبير (بسقف مرتفع)، والأجدر في الحشد والجماهيرية والأمل في صناعة المستقبل.
4- استمرار الضغط الرسمي على الطلاب وذويهم؛ مما سيجعل القضية حيةً دومًا في نفوس أصحابها والمناصرين والمتابعين لها.
5- استعداد الطلاب (وخاصةً الرموز منهم) على دفع ضريبة خيارهم بقبول التحدي والتضحية، وذلك من حريتهم ووقتهم وربما من مستقبلهم.
6- نجاح القيادات الطلابية الحالية في توسيع دائرة المشاركة الطلابية وتوريث الأمر للأجيال التالية ما لم يتم تغيير حقيقي وتعديل جذري يكفل إجراء انتخابات نزيهة تكفل المشاركة للجميع وتترك للطلاب اختيار من يمثلهم دون تدخُّل مشين أو بلطجة أجهزة أو عصابات.
7- توفر الدعم المادي (مالي وغيره) لإنجاح عدد من الأنشطة للاتحاد ودفع عموم المجتمع الجامعي من أساتذة وموظفين وطلاب لتبنِّي الفكرة والدفاع عنها ودعمها بأنفسهم.
8- كسْر الطلاب المنتخِبين آفاقَ المحلية والتواصل مع الاتحادات الطلابية الخارجية عربيًّا ودوليًّا، خاصةً في ظل غياب فاعل لاتحاد مصري رسمي قوي يلعب دورًا محوريًّا في قضايا الطلاب، وبروز هذا الدور على أيدي اتحادات أقل إمكانات ولكن تعمل إمَّا بدعم من دولها في هذا الإطار، وإمَّا في مناخٍ صحِّي وأجواء حرية، مثل (كل الاتحادات الأوروبية أو الغربية- اتحاد طلاب الكويت وليبيا والسودان وسوريا وغيرها).
9- استحداث آليات للتواصل مع الطلاب وعموم المؤسسات، مثل إنشاء موقع على الشبكة الإلكترونية- المشاركة في فعاليات الجامعات بشخصيات ورموز زائرة، بعيدًا عن المحلية.
وأخيرًا.. لا أملك إلا أن أرسل بتحية شكر وفخر واعتزاز لكل من ساهم في تحريك هذا الملف الهامّ، كخطوة على طريق إصلاح وطننا الغالي مصر، داعيًا الله- عز وجل- أن يبارك في هذا الجهد ويحفظه وينمِّيه.
---------------
* ahmedatty2003@yahoo .com