بقلم: عادل زعرب*
نعم للوحدة الوطنية، فكل الفلسطينيين باختلاف أطيافهم السياسية هم شركاء في الوطن، لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، ويخضعون جميعًا للقانون والدستور، فلا أحدَ فوق الدستور أو القانون، ولكن أن يخطئ البعضُ في فهم معنى الوحدة الوطنية، ويتحول إلى عنصرٍ ذليلٍ للآخرين، وأداة لتمرير مخططاتٍ مشبوهةٍ وأجندة خارجية على شعبنا، فهذا الأمر مرفوض، ولا يمكن تقبله؛ لأنه يبقى الأزمة قائمة والحصار مفروض، فهل نحن نؤمن بشروط الوحدة؟ أم نؤمن بشروط عباس التي قتلت الوحدة في مهدها؟!.
فبعض الدعوات من زمرةِ الانقلابيين التي صدرت من أجل ترسيخ مفهوم الوحدة الوطنية قد صدرت بشكلٍ خاطئ، فدعوة البعض إلى تخلَّى حماس عن حقيبتي الداخلية والمالية والضغط عليها لابتزازها ووضع شروطِ اللحظات الأخيرة ليس هو الحل الحقيقي لتمثيل الوحدة الوطنية بشكلٍ صحيحٍ كما يزعمون، فأهم شروط الوحدة الوطنية في نظري هي أن يتم الاعتراف وتقبل نتائج انتخابات التشريعي قولاً وفعلاً- لا لفظًا وجعجعةً فقط-، وأن يتم تقبل الآخر واحترام حجمه وقدراته وتمثيله، لا إقصاءه والتعامل معه على أنه ضيف وهم أصحاب الدار، وأن يتم الاعتراف باستحقاقات الآخرين الاجتماعية والسياسية المستندة إلى تمثيلهم النسبي في المجلس التشريعي والكتل البرلمانية.
هذه الشروط هي التي يجب أن تكون أساس الوحدة الوطنية، ومتى استطعنا أن نصل من خلال التثقيف الفكري بكافةِ أطياف الشعب الفلسطيني إلى القناعة بالالتزام بهذه الشروط، ومتى بدأت جميع القوى السياسية تعترف بهذه الشروط وتعمل وفقًا لها، فحينئذٍ نكون قد حققنا منجزًا وطنيًّا بتحقيق الوحدة المنشودة بين أطياف الفصائل كافة.
أما أن تكون هناك تهديدات وتصريحات مكذوبة ومشبوهة، فهذه أساليب عمل قديمة لا تصلح وحدها لزماننا، نعم قد تكون هذه الأساليب صالحةً فيما مضى من الزمن نتيجة سيادة سلطة القطب الواحد، حيث لم يكن بالإمكان العمل وفق أساليب أخرى، أما اليوم ونحن نعيش في زمن الحرية و"الديمقراطية"، فليس من الصحيح البقاء على أداء الأساليب القديمة وحدها، فسياسة إملاء الشروط قد ولَّت إلى غير رجعة.
وهناك أمرٌ جوهري ينبغي الحديث عنه، وهو لماذا لا نجد عند القوى السياسية الممثلة في فتح وما يدور في فلكها خطابًا سياسيًّا وحدويًّا، لماذا حماس وحدها هي التي تصرُّ على الوحدة الوطنية بينما الآخرون يهددون، ويتوعدون إذا لم توافقوا على شروطنا، فالبديل هو تدمير الوطن، والتلويح بالخروج إلى نفق مظلم قد يعني الحرب الأهلية.
شروط عباس الثلاثة التي تحدث عنها، والتي قفزت فجأةً أثناء الحوار، هي القضية الأولى: هي الانقلاب على شروط تشكيل الوزارة التي تمَّ التوافق عليها قبل البدء بالحوارات، فكان هناك وزارات مخصصة لكل كتلة برلمانية، وكان يجب البحث بمسئولية حول إشغال هذه الوزارات دون التمترس عند مواقف بعينها.
والقضية الثانية: تتعلق بكتاب التكليف، فقد كان يجري الحوار حول أن يكون هناك توافق حول كتاب التكليف يلتزم به الطرفان، أو يتكرر ما عُمِل به في وزارة إسماعيل هنية، إلا أنَّ رئيسَ السلطة عباس، أصرَّ أن يكون جواب التكليف ووثيقة الوفاق الوطني هما الأساس الذي تتشكل عليه الوزارة"، أما القضية الثالثة: التي وضعها عباس في وجه المفاوضين من حركة حماس، "فكانت تتعلق بربط تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ببعض القضايا، كقضيةِ إطلاق سراح الجندي الصهيوني الأسير في قطاع غزة وقضية التهدئة، وقضايا أخرى".
حماس أبدت مرونةً في مفاوضات الحوار بشهادة الكتل البرلمانية الأخرى، فلماذا السياسيون الفتحاويون غير معنيين بتحقيقِ الوحدة الوطنية أم أنَّ الوحدةَ الوطنيةَ هي مطلب حركة حماس فقط ؟! أليس فتح معنية بتحقيق الوحدة الوطنية؟!، فهي فضلاً عن تحريضها على الحكومة تنكر أنها جاءت بانتخابات نزيهة وأن الحكومة هي حكومة شرعية.
نعم.. فالقوى السياسية بحاجةٍ إلى تقريرِ منهجها، هل تريد فعلاً أن تتعايش مع بقيةِ مكونات الشعب ضمن الوحدة الوطنية من خلال الشروط التي ذكرناها، أم أنها تريد أن تحقق مكاسب سياسية من خلال الاستقواء بالأمريكان، إما بالمواقف أو بالدعم المادي والوعود، أم أنهم يريدون مد يد المفاوضات مع الاحتلال بعد أن سمعوا أن أولمرت يريد مد يده للفلسطينيين.
إنَّ الاستمرارَ في محاولةِ بعض السياسيين استرضاء الأمريكان بعد كل جولةٍ لرايس في المنطقة لا يجب أن يكون على حسابِ الثوابت الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، والمطلوب من القوى السياسية الفاعلة على الساحة أن تعزل نفسها بوضوحٍ عن قوى الاحتلال الصهيوأمريكية، وأن لا تطبق برامجها المهادنة وتدع مَن اختاره الشعب لأن يطبق برامجه كما يرى، والمطلوب أن تنصهر هذه القوى بإخلاصٍ في بوتقةِ الوحدة الوطنية، وإلا فلن يكون للوحدة الوطنية معنى أو وجود، فلا يمكن أبدًا أن تكون هناك وحدة وطنية من طرفٍ واحد، وإن المخرج من المأزق الراهن بشأن تشكيل الحكومة هو بأن" يكون الحوار سيد الموقف، وأن لا ندع الاشتراطات الخارجية تُؤثر على خياراتنا الوطنية ومستقبلنا وحقوق شعبنا".
-----------
* صحفي وكاتب سياسي فلسطيني- قطاع غزة- journadel@hotmail.com