الصورة غير متاحة

د. خالد عبد القادر عودة

لا يمكن أن يستقيم حال الأمة بينما تقوم قوانينها ولوائحها وتجري أمورها العامة على غير ما يعتقده أفرادها؛ فالإنسان- أيًّا كان ما يعتقد- لا يمكن أن يخطو في اتجاهٍ يتعارض مع معتقداته- إلا في حالة الاضطرار أو الاستسلام، وهي حالات سلبية مؤقتة أو استثنائية قد تفضي إلى تحريكٍ للواقع، ولكنها لا تُثمر تطورًا إيجابيًّا في حياةِ الإنسان، وسرعان ما ترتد هذه الحركة بزوالِ أسبابها ليعود حال الإنسان كما كان عليه وهو المربع رقم واحد.

 

والأمم لا يمكن لها أن تنهض إلا إذا نجحت أنظمتُها في تحقيقِ المواءمة بين مصالح الأفراد من جهةٍ والمصلحة العامة للأمة من جهةٍ أخرى، ومصالح الأفراد تحركها إرادات الأفراد، والمصلحة العامة للأمة تحركها الإرادة العامة للأمة- تلك الصفة المجازية التي تنبثق من مجموع الإرادات الفردية وتستقل عنها، ومعيار رقي وازدهار الأمم يُقاس بقدرةِ أنظمتها على تحقيق ما يصبو إليه الفرد من سعادة من ناحية، وما يصبو إليه المجتمع بكل أفراده وفئاته وطوائفه من عدل وكفاية وأمن وحماية من ناحيةٍ أخرى، وهذا لا يتأتَى إلا من خلال التوفيق بين إرادات الأفراد من جهةٍ والإرادة العامة للأمة، وهو ما يُعرف في الفقه الدستوري بالمواءمة بين مبدأ سيادة الفرد في كل ما يقبل التجزئة أو التملك من حقوق، ومبدأ سيادة الأمة في كلِّ ما لا يقبل التجزئة والتملك من حقوق.

 

والسبيل إلى النهضة لا يتأتى إلا من خلالِ تجنيس العمل مع الاعتقاد؛ أي ضبطٍ حركة المجتمع بما يتفق مع الإرادةِ العامة لأفراد المجتمع، فالمجتمعات العلمانية تقوم على إرادةِ الغالبية من مواطنيها، وهذه الغالبية لا تؤمن بما يؤمن به المسلمون، ومن ثَمَّ تأتي جميع التشريعات والقوانين التي يحتكم إليها الناس في هذه المجتمعات متوافقة في كلياتها وجزئياتها مع الإرادةِ العامة للمجتمع غير المسلم.

 

أما في المجتمعات الإسلامية فإنَّ الغالبيةَ العظمى من أفرادها يؤمنون بأنَّ الإسلام يقيم شئون الدنيا كلها على أساسٍ من الدين، ويتخذ من الدين سندًا للدولة ووسيلةً لضبطِ شئون الحكم وتوجيه الحكام والمحكومين، فطبيعة الإسلام من الناحيةِ الموضوعيةِ تقتضي الحكم به، فكل أمرٍ في الإسلام يُنظِّم علاقة الفرد بغيره أو بالجماعة يقتضي تنفيذه قيام نظام إسلامي، واتباع هذه الأوامر يقتضي أن تكون القوانين والتشريعات في المجتمع متفقة مع القواعد الكلية والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية، فليس من المعقولِ أن تأمر السلطة بما لا يتحاكم به الأفراد فيما بينهم، أو تنهي عمَّا لا يُجرِّمه الأفراد طبقًا لشريعتهم؛ ولهذا توقفت حركة النهضة في المجتمعات الإسلامية لأنَّ أنظمةَ الحكم في هذه المجتمعات لا تُراعي ضبط حركة أفراد مجتمعاتها بما يتفق مع الإرادة العامة للأمة الإسلامية، فجاءت دساتير أو قوانين أو لوائح المجتمع بما لا يتفق مع الشريعة الإسلامية، بينما يسعى الأفراد إلى الالتزام بالشريعةِ الإسلامية قدر استطاعتهم؛ الأمر الذي أدَّى إلى تثاقلِ حركة المجتمع نحو التنمية والكفاية والنهضة، فالأفراد يتبعون أمر الله فيما يتصل بذواتهم وفيما هو في أيديهم، إلا أنهم لا يستطيعون أن يتبعوا أمرَ الله فيما يتصل بغيرهم وفيما هو في أيدي الغير؟. وهم يتبعون أمر الله عند الاتفاق، إلا أنهم لا يستطيعون أن يتبعوه عند الاختلاف؟. وهم يتبعون أمر الله فيما هو للأفراد، إلا أنهم لا يستطيعون أن يتبعوه فيما هو للحكام.. والمثال الصارخ لهذه المجتمعات هو المجتمع المصري حيث توقفت فيه الحركة الإيجابية المثمرة للنهضة العصرية، على الرغمِ من التحريكِ الظاهري للواقع المصري الذي تفرضه معطيات العصر.