بقلم: د. أحمد محمد زايد*
لكل قضية ثقافة, هذه الثقافة تُمهِّد للقضية وتسبقها, ومن ثَمَّ تُغيِّر في فكر الجماهير وتوجهها نحو القضية المنشودة, فالفساد والإفساد له ثقافة, والاستضعاف له ثقافة, والإصلاح والتغيير له ثقافة، تعبر عنه وتدفع نحوه، وتمثل عملية التهيئة الفكرية والنفسية له.
وفي هذه المقالات نسوق بعض عناصر ومكونات ثقافة التغيير والإصلاح؛ علَّها تجد أذنًا واعيةً تسير بها نشرًا وبيانًا, ولتكن تلك الأذن أذن الدعاة المصلحين، وعلى رأسهم هذه الجماهير من الأئمة والخطباء الذين هم قادة الفكر والتوجيه الإسلامي بدرجة كبيرة.
ولعل هذا الطرح يكون مادةً تتناولها مجالس المصلحين الرسمية وغير الرسمية, أو مادة تدور حولها مناقشاتهم مع الجماهير في دوائر أعمالهم الرسمية, وفي بيوتهم لتسود ثقافة المرحلة ثقافة التغيير والإصلاح وقد أعددت لك أخي عشر ركائز من ثقافة الإصلاح تأتيك تباعًا:
أولها: ثقافة الحقوق في ظل الدكتاتوريات المعاصرة؛ حيث ضاعت الحريات ضياعًا مزريًا, والحرية من أعلى الحقوق الإنسانية؛ إذ هي تساوي الحياة, فالحر حيّ, ومسلوب الحرية ميّت, ومع ضياع الحرية ضاعت حقوق كثيرة لا تقوم الحياة قيامًا صحيحًا إلا بها, فعاشت شعوبٌ كثيرةٌ من المسلمين وغير المسلمين حياةً هي أقرب إلى حياة الحيوان، أو حياة القبور منها إلى عالم الإنسان, فتنازل الإنسان عن حقوقه تارةً, وأُجبر على التنازل عنها تاراتٍ, وغُزِيَ عقلُه بعد ذلك فأصَّل الطغاةُ في ذهنيته ونفسيته أن ما يصله من فتاتٍ إنما هو محضُ تفضل منهم عليه.
![]() |
وزيادةً في التنكيل بالأمة وتكريسًا لثقافة الطغاة في تضييع الحقوق لا بأسَ بأن يخرج المستبدّ بخطابٍ رنَّان مزوَّق يُبرز فيه بعض ما تم إنجازه من هامش بعض الحقوق التي لا تساوي شيئًا مما ينبغي فعله, ثم يقول ماذا نفعل أكثر من ذلك؟ وآخر يقول أنا كل صباح أُطعم كذا مليون نسمة من أين آتي بكذا وكذا؟ وكأنه يطعمهم من جيبه أو من مال أبيه!!
وينطلي هذا الزَّيف المتعمَّد على شعوبٍ لم تعرف ما لها وما عليها, فتحسب أنها أخذت ما لها وزيادة, فلِمَ تتكلم؟ وبأي شيء تطالب بعد ما سمعت من جلادها إنجازاته الوهمية أو الحقيقية؟
ومن هنا تاهت معالم كثيرة في حياتنا بعد أن قامت الآلة الإعلامية الثقيلة بتكريس ثقافة (إحنا أحسن من غيرنا) وفي هذا الزخم التضليلي تضيع إنسانية الإنسان يوم أن لهث خلف لقمة العيش لا يجدها، وهي حقه الضروري!! ويوم أن كبت صوته في التعبير عن رأيه، وهو حقُّه الضروري!! ويوم أن ظلم فلم يجد له ناصرًا, بل حُبس وظالمُه طليقٌ!! ويوم أن لوَّح له الظالمون بويلات غضبهم: إن عمل كذا, أو نطق بكذا!! ويوم أن لم يجد عملا يكفّ به نفسه ومن يعول عن سؤال الخلق!! ويوم وجد قِيَمه ودينه تنهار تحت وسائل خبيثة إعلامية وفكرية لا يستطيع مقاومتها ولا ردّها، ويوم كذب عليه الحكَّام بشعارات لا حقيقة لها، فعاش زمن الخداع والوهم، يحلم بفجر لا ينقضي ليلُه.
وهكذا نحتت سياسةُ سحق الشعوب بتضييع حقوقها في إنسانية الإنسان, وقهَرَتْه من داخله، فغَدَا غيرَ صالح لحياة إنسانية ما لم يسترِدَّ إنسانيته, وأوقف ذلك النحت فيها, ولا يكون ذلك إلا بأن يعرف مرةً أخرى أنه إنسان فلا بد أن يعيش كذلك, وأن
