بقلم: د. حامد أنور

في قلعة أودسشيالشي التي تقع على مشارف روما أُقيم يوم السبت الماضي 18/11/2006م حفلَ زفاف الممثل الأمريكي الشهير توم كروز صاحب أفلام mission impossible  أو مهمة مستحيلة والساموراي الأخير وسماء الفانيليا والذي يتجاوز أجره العشرين مليون دولار على خطيبته ربَّة الصَّون والعفاف كريمة آل هولمز السيدة كاتي هولمز، والتي أنجب منها قبل أن يعقد عليها طفلةً صغيرةً عمرها أربعة أشهر تُسمَّى (سورى)، وحتى لا تُلاقي تلك المسكينة مصير الضياع والإهمال في حَوَارِي نيويورك أو تنضم إلى أطفال الشوارع وتتسول في موقفِ ميكروباصات مانهاتن كان القرار بالزواج، وقد اهتمَّت وسائل الإعلام المُوجَّهة بنبأ هذا الزفاف، وقد احتشد المصورون قُرب هذه القلعة للفوز بصورةٍ أو خبرٍ يتصدر الصحف والمجلات ووكالات الأنباء التي يعملون فيها هؤلاء.

 

أنا لا أدري مَن السبب في هذا الأمر، هل الناس هي التي جعلت وسائل الإعلام تهتم بتلك السفاسف من الأمور أم وسائل الإعلام هي التي قادتهم إلى ذلك وهم يسيرون خلفها على غير هدىً، ينساقون خلفها انسياق البعير حتى لو أخذتهم إلى جُحرِ ضَبٍّ خربٍ لدخلوه وراءها؟ هل الناس بلغت من الفراغ والخواء هذا المبلغ فتنسى مشاكلها والتزاماتها أم أن وسائل الإعلام لها من القوة والتأثير ما يجعلهم يَلغُون عقولهم وأحلامهم إلى حدِّ الاهتمام بزفافِ ممثلٍ أو مطربٍ أو لاعب كرة؟ ولو سألت أيًّا منهم شرقًا أو غربًا عن قائدٍ تاريخي أو مناضل ما أجابك أحد! لصالح مَن هذه الأُميَّة المتعمدة؟ إنهم يغتالون الأمم، يقتلونها في أولادها.

 

وفي ظل العولمة وحيث إنَّ العالمَ أصبح قريةً صغيرةً أصبح خبر هذا الزفاف ينتشر في كل المعمورة من طوكيو إلى سان فرانسيسكو، وعلى الجميع أن يهتم وعلى الجميع أن يُتابع، وهذا هو حصاد العولمة، الآخرون هم الذين يفرضون عليك أنماط الثياب وقائمة الطعام وطرق المعيشة والاهتمامات في الحياة، أما أنت فلا خيارَ لك ولا رأي لك، عليك أن تُشمِّر عن أقدامك وتسير خلفهم، إنهم يريدون أن يهدموا ثقافات الآخرين وينابيعها المحلية، يريدون للشمس فقط أن تُشرق من عندهم ولشموس البلدان الأخرى أن تغيب؛ ولكن هيهات ثم هيهات فحين تطلع الشمس من عندهم فسوف تقوم القيامة.

 

وقالت لنا وسائل الإعلام إن الفرح سيتكلف سبعة ملايين دولار؛ مليون منها لتأمين موكب النجم العالمي! وسيتم توزيع هدايا تذكارية من العروسين على المعازيم الذين هم كبار الممثلين في هوليوود وسفراء الإمبراطورية الأمريكية في تسويق قيمها وأفكارها وأسلوب حياتها للعالم كله قيمة كل منها ثمانية آلاف دولار.. كم تساعد تلك الملايين أناسًا من العالم الثالث الذين لا يجدون ما يسد رمقهم ويطعم أفواههم الجائعة ويعالج أجسادهم الهزيلة ويُحقِّق أحلامهم البسيطة!! ولكن أمريكا في قيادتها للعالم قلبت الموازين رأسًا على عقب، ونشرت الظلم والجور فجعلت أولئك الذين لا يساوون في ميزان الإنسانية شيئًا هم نجوم العالم المتلألئة وأقماره المُنيرة؛ فيتخذهم أبناء الشعوب والأمم قدوةً لهم ومنارات توجههم أينما تريد أمريكا.

 

الطريف أنَّ قسًّا إيطاليًّا تقمَّص شخصية يحيى شاهين في فيلم "شيء من الخوف"، وقال: إن زواجَ توم كروز من هولمز باطلٌ باطلٌ، وقبل أن تتسرع في محاولةِ معرفة السبب فوجود الطفلة (سورى) ليس هو السبب وثبوت قيام الخطيبين سابقًا والزوجين حاليًا بعلاقةٍ غير شرعية خارج رباط الزواج ليس هو السبب؛ بل لأن توم كروز مطلَّق مرتين، نعم مطلَّق مرتين.. فأحْسِن بتعاليم السيد المسيح!.

 

فيا أيها البشر.. أفيقوا من غفلتكم قليلاً واعلموا أين تسيرون.. وأين تتخندقون؟.
إنني أقول لكل مَن يتابع بنهمٍ وشغفٍ أخبار أولئك الأوغاد.. توم ونيكول وجنيفر وبراد.. ينبهر بهم انبهار العبيد بالأسياد.. ويتنكر لكل ما تركه له الآباء والأجداد:
هَوِّن عليك.. فكم من قصورٍ باتت زاهرةً وأصبحت رمادًا..
هَوِّن عليك.. فكم من أناسٍ ملأوا الأسماع والأبصار ثم ذهبوا كما ذهب قوم عاد..
هوِّن عليك.. فلا يغرَّنَّك تقلُّب الذين كفروا في البلاد.. لا يغُرَّنَّك تقلُّب الذين كفروا في البلاد.. لا يَغُرَّنَّك تقلُّب الذين كفروا في البلاد.