بقلم: أحمد الجعلي*
قرأت عنوان ذلك الخبر فتجهَّمت.. يبدو أنني لا أرى جيدًا.. يبدو أن كاتب الخبر قد أخطأ في العنوان، يبدو أن هناك تشابهًا في الأسماء، يبدو أنني قد أُصبتُ بشيء من ضعفِ الذاكرة أو النسيان.
قل أي شيء، ولكن لا تقل إنَّ هذا الخبر والعنوان هو إعلان نعي ورثاء الدكتور حسن الحيوان، بالتأكيد بالتأكيد أنا مخطئ، وحتى اللحظة وبعد اللحظة أنتظر مَن يخبرني أنَّ ما قرأته خاطئٌ، وأن ما علمته حلمًا أو كابوسًا وليس واقعًا.
ربما تلك الدموع المنهمرة من عيني هي ما يحجب الرؤية عني جيدًا، ويجعلني أتوهَّم أن الاسم هو لذات الشخص، ولكن إنْ تشابَهَ الاسمُ فهل تشابهت الصورة المرفَقة في الخبر أيضًا؟!
ربما تلك الدموع التي تسيل على وجنتَي ستجعلني أستيقظ الآن لأجد أنَّ كل ما قرأته هو محضُ كابوسٍ مريع بشع، وسينتهى فور أن أفيق.
تُرى هل رحل فعلاً دكتور حسن الحيوان؟! رحل بمعنى الموت؟!
رحل بمعنى أنه أصبح أثرًا بعد عين، وطيفًا بعد واقع؟!
رحل بمعنى أنه بالفعل قد فاضت روحُه وذهبت إلى بارئها تشكو له ظُلم جلاَّديها وجور وطغيان ما فُعل بها؟!
هل رحل الدكتور حسن الحيوان بمعنى أن قلبَه الرقيقَ الذي عانَى من السجن والحبس والظلم والقهر قد سكَن وقد توقف عن الحركة فعلاً ولم يستطع أن يتحمَّل أكثر هذه الحياة المهينة وهذا الظلم البين؟!
هل رحل الدكتور حسن الحيوان فعلاً ليترك أسرتَه وأهلَه غير ممنين أنفسهم بعودته مرةً أخرى، وهم لتوِّهم قد أنِسُوا بعودته منذ ما لا يزيد عن 5 أيام بعد أن حُرموا منه على مدار أكثر من تسعة شهور سجينًا مظلومًا في أيدي سلطة ليس لها قلب ولا تظن أنها يومًا ستلاقي ربًّا؟!
أواااه.. أواااه.. أواااه!!
ماذا ستقول الكلمات؟ وبم ترثيك العَبَرات يا دكتور حسن؟! ونحسبك قد قضيت شهيدًا باذلاً لدعوتك، مفنيًا عمرك وكل ما تملك رخيصًا لعزة دينك ورفعته.
ماذا سيقول المعزُّون؟ وماذا سيكتب الكاتبون وقد رحلت ونحسبك قد أديت أمانتك وعاهدت على نصرة دينك فوفَّيت بوعدك وصدقت في كلمتك؟!
ماذا سيقول أبناؤك وأحباؤك وإخوانك وقد كنت رجلاً وعشت رجلاً، وأبيت إلا أن تموت رجلاً، هامتُك مرفوعةٌ إلى السماء ورأسك بعزٍّ لم ينحنِ لظالم ولم يخنع ولم يركع لغير خالقه ومولاه.
لن نقول إلا ما يُرضي اللهَ الذي كان شعارك دومًا في الحياة أنه غايتك، نقول ما تعلمناه عن رسولنا الذي كان شعارك يومًا أنه قدوتك، نقول ما نتعلمه من آيات قرآننا والذي جعلته دومًا دستورك وشرعتك.
نقول ما يسرِّي عن قلوبٍ آلَمَها الخبرُ وفجعها النبأ، نقول بكلماتٍ بل هي آهات: إنَّ العينَ لتدمع، وإنَّ القلبَ ليحزن، وإنا لفراقك يا دكتور حسن لمحزونون محزونون محزونون، ولا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون.
أما أنت أيها الدمع الذي يملأ المآقي والعيون فلا تهدأ ولا تبرد، وكن حِممًا مصهورةً تصبُّ الدعاء صبًّا على الطغاةِ والظالمين، على البُغاةِ المعتدين العابثين، فدعوة المظلوم لا يقف أمامها ساترٌ ولا حجابٌ وهي لا شكَّ مسموعةٌ مجابةٌ من ربِّ العباد، فكيف بها وقد سبقتها روح المظلوم بين يدي بارئها شاكية.
تُرى هل ينام بعد يومنا هذا جلاَّدوك يا دكتور حسن؟! تُرى هل سيغمض لهؤلاء جفنٌ ويرتاح لهم خاطرٌ ويهنأ لهم بالٌ؟! قد أقسموا أن يحيلوا حياتك جحيمًا وبؤسًا وظلمًا وقهرًا، وقد فعلوها.. وها أنت الآن ترحل وتترك لها دنياهم، فتُرى هل سيرتاحوا الآن؟!
صدقت يا دكتور وأنت تقول في رسالةٍ لك من خلف قضبان سجنك:
"بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ أيها الإخوان: الثقة.. الثقة في نصر الله.. الأمل.. الأمل في موعود الله: اعلموا أن دولةَ الظُّلم ساعة، وأن دولة الحقِّ إلى قيام الساعة، وأنه لن يضيعَ حقٌّ وراءه مُطَالِبٌ، وأنه لن يموتَ غرسٌ غَرَسَه اللهُ بيده، وأن الله لن يخذلَ جنودًا جاهدوا في سبيله وضحَّوا من أجل إعلاء راية الإسلام وإنَّ غدًا لناظرِه لقريب".
صدقت يا دكتور، فلا والله لن يضيع حق وراءه مطالب، لا والله لن يموت غرس غرسه الله بيده، لا والله لن يخذل الله جنودًا جاهدوا في سبيله وضحَّوا من أجل إعلاء راية الإسلام، ولن يخذلك.
ألا فلا نامت أعين الظالمين.. ألا فلا نامت أعين الظالمين، فلها يومٌ عما قريب تشخص فيه، ذليلةً نفوسهم، منكسةً رؤوسهم، يصدق فيها موعود الجبار المنتقم ﴿ولا وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)﴾ (إبراهيم).
عزاؤنا أنك قد رحلت يا دكتورنا الحبيب ليزدادَ برحيلك عزمنا عزمًا، ويزداد برحيلك إيمانُنا إيمانًا بأن نصر الله وفرجه لا شك واقع وقريب.
عزاؤنا أنك قد رحلت إلى الخالق الكريم برحمته الواسعة، وقد نزلت بأكرم الأكرمين وأجود الأجودين، وكلنا دعاء ورجاء أنه- عزَّ وجلَّ- سيُكرم نُزُلَك ويوسع مدخلك ويغسلك بالماء والثلج والبرد وينقيك من الذنوب والخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس، ويبدلك دارًا خيرًا من دارك ويجازيك خيرًا عن كل ما قدمته لنصرة دعوتك وللتمكين لدين الله في أرضه.
وداعًا دكتور حسن، سائلين المولى أن يجمعنا بك مع نبيه على حوض الكوثر، نشرب عندها شربةً هنيئةً مريئةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
وداعًا يا دكتور حسن؛ ليكون رحيلك مصداقًا لقول ربنا: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).
--------------
* أمين اتحاد الطلاب الحر السابق بجامعة القاهرة.