أنا من عانى وذاق الويل في زمنٍ تكشَّرت فيه أنياب الذئاب، أنا مَن صرخ ظلمًا بآهاتٍ مريرةٍ تحرق قلبي ووجداني، أنا مَن تحطَّم مستقبلي على أنغامِ الرشوةِ والمحسوبية.. أنا مَن رمت به الأيام في غياباتِ الضياع والمرار.
أنا.. أتعلمون مَن أنا؟! أنا فلسطيني ضائعٌ لا أجد نفسي حتى في وطني، وبين قادةٍ امتصوا دمي وباعوا مستقبلي.. أنا.. يا شعبي رفضتُ أحضانَ الغربِ مؤملاً في عدلِ بلدي ووطني، أنا يا شعبي مَن فَقَدَ الأملَ في زمنٍ تعملق فيه الأقزام.. جمعتُ أوراقي ورتبتُ أفكاري من أجل البقاء.. سأصارعُ وسأجعلُ من المستحيلِ ممكنًا بعد سلبي أعزَّ ما أملك، وهو مستقبلي في علمٍ أعشقه، أنفع به هذا الوطنَ الجريح، عندما جردوني من حقِّي وسلبوني إياه!!
يا إلهي كم هو مستحيل..!! يا إلهي.. انطلقت من غزة أعمل كي أتعلم .. أعاني كي أبني.. أحاول أن أجد نفسي.. لا لا لن أضيع .. لا لا لن أستسلم.. أنا من حقي أن أعيش وأحاول أن أجعل من الفتات الذي يتركونه لنا شيئًا من أجل البِناء.. وكم هو صعب.. وكم هو مرير!!
أنهيتُ تعليمي ولله الحمد.. وكم هو بسيط مقارنةً مع طموحاتي وطاقاتي العقلية التي تميزتُ بها عبر سنوات طوال من المكافحة العلمية والعملية، ولكن من هنا سأنطلق.. بدأت أترقَّب لعمل، والوظيفة سأبني وسأعيش حياةً مرفهة.. سأعوض سنين حرماني سأشتري أفخم الملابس عندما أتسلَّم راتبي.. سأعيش حياةَ الكثير التي كنت أسمع عنها.. وقد كانت لحظة لا يمكن وصفها عندما رنّ الهاتف يطلبونني للعملِ في وزارة الصحةِ الفلسطينية.. ياه!!
ياااه!!! وداعًا للباطون.. وداعاً للمصنع.. وداعًا للبيع.. وداعًا للمعاناة.. سأتقاضي راتبًا.. سأبني شقة.. سأشتري سيارة.. سألبس مثل ما كنتُ أراه على بعضِ الناس.. سأعمل كل الذي في نفسي.. وداعًا لسنين المرار.. سأعيش مرفهًا حتى لو ذهب المستقبل.. فمَن يعيدٍ لي المستقبل.
وهنا تختلف المعادلة.. وهنا تتغير الحكومة الفلسطينية ويأتي قادة من حركة حماس على رأس الحكومة.
ما هذا ؟؟ هؤلاء مَن؟؟ لن أستوعب هؤلاء!! ومَن أين هؤلاء!! أنا خائفٌ على أحلامي.. أنا خائفٌ على مستقبلي الذي بدأت أنسجه من جديدٍ بالرغم من أنه مستقبل من نوعٍ آخر..
وانتظرت وإذا بهؤلاء يتحدثون عن حصارٍ خارجي وصدامات داخلية... لااااا.. لاااا عمَّ تتكلمون؟.. أنتم غير قادرين على إدارةِ الحكومة؟.. اذهبوا بعيدًا اذهبوااا؟.. وبدأتُ أحاربهم بالكلمةِ هنا وهناك فأحرض ضدهم أريد أن أعيش ببساطة.. أريد حياةً مثلما كنتُ أرى وخصوصًا في مدينةِ الرمال هناك حيث الذي لا أراه هنا.
وفي يومٍ يقول أحد رموز هذه الحكومة بأننا لن نتنازل.. وأننا لن نهادن على حسابِ حقوقنا.. بدأتُ أصارع من جديد.. الحقوق الشرعية؟ الدين؟ الوطن؟؟
ولكن هؤلاء الناس يستطيعون أن يقولوا نعم لكلٍّ من اليهود وأمريكا، ونعم وأتلقى راتبي وأبني وأعمل وأحلم.. ولكن ما هو المقابل؟! يا إلهي.. لم أنتبه لهذا.. لا لم أفكر بهذا.. هؤلاء ببساطة يرفضون أن يتنازلوا تحت اسم هكذا نريد السياسة وهذا حيلة؟! هؤلاء يقولون جهرًا.. لن نعترف بالكيان المحتل!! نعم.. نعم.. يا هؤلاء نعم.. لا تعترفوا بهذا المحتل.. سلمت يداكم يا هؤلاء سلمت يداكم.
نعم.. مستقبلي لم يضع.. نعم وهل هناك مستقبل يفوق مستقبل الوطن.
أنا أعود من جديد.. يا وطني.. أنا أعود من جديد.. سحقًا للشقةِ والسيارة وسحقًا للملبس والمأكلِ على حساب الدين والكرامةِ والحقوق.. وهل كُتِبَ على قبر أحدنا "مات من الجوع" الله أكبر.. كم كنتُ مضللاً الله أكبر.. وتتجلَّى الحقيقةَ في زمنٍ عرفت فيه الصدق والضمير.
سحقًا للبسمة.. هناك أغلى.. هناك أغلى.. هناك أغلى.. الدين ثم الوطن؟؟
ماذا كنت سأقول لربي يوم الحساب؟ اخترت مستقبلاً من أجل السيارة واللبس والشقة.. وأعطيتهم دولة، الله عز وجل رفض إعطاءهم إياها في كتابه المقدس.
وداعاً يا مستقبلاً نسجته خيوط الذلة والمسكنة.. وهيا أقبل علينا يا حب الوطن.. هيا يا دين الله تجلَّى في بلادٍ مقدسةٍ سميتها في كتابٍ من عندك.
لا... أنا رغم المعاناة التي عشتها.. ورغم الصبر الطويل.. ورغم الأحلام التي نسجتها.. التي كنتُ على شفا أن أتذوق منها شيئًا.. لا أريد هذا الراتب الذي أصبح ورقة التنازل.. فأنا أسطر معاني أثرتكم.. ولكن تهون ولا يهون الوطن.. تهون ولا تهون الحقوق الدينية.. يا جدي رحمة الله عليك.. ها أنا سأحمل الرايةَ من جديد.. فإذا عشت أنت براتبٍ وشقةٍ وسيارة ٍ.. سأعيش أنا.. سأعيش أنا.
-------------
* التوقيع/ ممرض فلسطيني