بقلم: عادل زعرب

تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، حلم راود جميع الفلسطينيين، الذين نظروا إليه كأمرٍ بالغ الأهمية لتحقيقه، وانتظروه على أحرِّ من الجمر، واليوم أصبح حقيقةً واقعهً، لا لبس فيها ولا غموض، وتجلَّى أمام عيون الجميع أمرًا حقيقيًّا ملموسًا، ولكن لحماس الفخر كل الفخر بتشكيل هذه الحكومة المرتقبة، والتي انتظرها الفلسطينيون بفارغِ الصبر لتخرج إلى النورِ بعدما حاول العديد من دعاةِ الجاهلية الوقوف في وجهها، وتعطيلها ومحاولةِ الزجِّ بالمجتمعِ الفلسطيني في متاهات جانبية، ولكن حركةَ حماس بفضلِ الله أولاً ثم بفضلِ حنكتها السياسية وقدرتها على المراوغةِ والمثابرة، وإدارة الأزمة بنفسٍ عميقٍ ورُوحٍ خلاَّقة، استطاعت تذليل العقبات أمام  كافة العوائق والعقبات، وكانت  هي وبجدارة صمام الأمان للشعب الفلسطيني واستطاعت بجهود جبارة وعزيمة لا تلين أن تنكر الذات، وعملت على تذويب نفسها في الكلِّ الفلسطيني لصناعةِ فجرٍ جديدٍ وانفراجٍ جديد، والاحتكام إلى لغة العقل بعيدًا عن العاطفة وبعيدًا عن الحزبيةِ والفئويةِ القاتلة، واستطاعت أن تجيش نفسها وأبناءها ومن قبلهم قادتها لإنجازِ هذا المشروع الكبير، كما استطاعت بفضلِ جهودها الجبَّارة إضفاء شرعيةِ الوحدة الوطنية على جميع الحوارات، وبهذا تكون حركة حماس صاحبة سبق، وقد فعلت أمرًا جديدًا في مسألة تشكيل الحكومات على الساحة الفلسطينية, إذ أنها ستكون المرة الأولى التي تشكل فيها حكومة وحدة و طنية على أساسِ الشراكةِ السياسيةِ بين كل الأطراف الفلسطينية, وهو ما لم يحدث من قبل في أي حكومةٍ من الحكومات السابقة.

 

بل تعدَّى الأمر أكثر من  ذلك وهو موقف رئيس الوزراء إسماعيل هنية- ذلك الرجل الصادق صاحب الكلمة القوية والمدافع عن الثوابت- الذي أذهل الجميع بتفانيه وسعيه الحثيث لخدمة وطنه، وتخليه طوعًا عن الكرسي الذي لم يكن يومًا من الأيام يطمع فيه أو أن يبقى فيه رغمًا عن أنف شعبه، وفضَّل هنية أن يتنحَّى جانبًا طوعًا لمصلحةِ أبناء شعبه، وضرب هنية رئيس الوزراء الفلسطيني مثلاً رائعًا في الوطنية وآثر المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني؛ حينما تنحَّى عن رئاسةِ الوزراء من أجل أن يفك الحصار عن جماهير شعبنا الفلسطيني.

 

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فأداء الحكومة التي قادتها حماس برغمِ الحصار المفروض يبشر بالخيرِ الكثير؛ حيث إنها هي الحكومة العاشرة، وقد شهد القاصي والداني بكفاءةِ الوزراء، ونظافةِ أيديهم، وأنه لم ولن يُسجَّل في حقِّهم أي تجاوزاتٍ ماليةٍ أو أخلاقيةٍ أو تفريطٍ سياسي، حينما أصرَّت على عدم الاعترافِ بما يُسمَّى "إسرائيل" رغم الحصارِ المفروض عليها، وكُتِبَ لهذه الحكومة تسجيل إنجازات متعددة أهمها: عدم الرضوخ للابتزازِ الصهيو أمريكي المتمثل في التخلي عن الثوابت الفلسطينية مقابل فك الحصار وإيصال المساعدات للفلسطينيين.

 

ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل تعداه بكثيرٍ فإنَّ هذه الحكومة تُعتبر الحكومة الأولى التي يُعتقل عددٌ من وزرائِهَا في سجونِ الاحتلال، وكانوا ولا زالوا نِبراسًا يُضيء لشعبنا الطريق، ويعملون على إنجازِ ما يمكن إنجازه، في حين رفض هؤلاء الوزراء المساومة والابتزاز في عمليةِ الضغط على فصائل المقاومة بالإفراج عنهم مقابل الإفراج عن الأسير جلعاد شاليت، وهذا يُحسب لهم.

 

وهكذا فإنَّ حماس تنكر ذاتها في كل مرة، وتعمل من أجل تحقيقِ الحلم الفلسطيني، فتشكيل حكومة وحدة وطنية هو طريق البداية لفك الحصار، وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني وتحرير فلسطين كل فلسطين بإذن الله.