بقلم: قطب العربي
بغض النظر عن نتائج الانتخابات الطلابية التي أُعلنت والعمالية التي تُنتظَر والتي كان واضحًا من البداية أنها محسومةٌ بقوة السلطة لصالح ممثلي الحزب الحاكم، سواءٌ كانوا طلابًا أو عمالاً، إلا أن المعركتين الانتخابيتين الطلابية والعمالية أحدثتا حراكًا واسعًا، أعاد الروح إلى الحياة السياسية المصرية التي استكانت للهدوء بعد انتهاء معركة القضاة وتبدُّد آمال الإصلاح والتغيير، أو على الأقل تراجع الروح الجديدة التي سَرَت في اتحاد العمال ونقابته العامة والمعزَّزة بحركةٍ طلابيةٍ متوهجة جاءت على أثر خوض الاخوان المسلمين وبعض القوى السياسية المعركتين؛ لدفع عملية الإصلاح وتحدي واقع الهيمنة الأليم الذي فرض استبداده على كل شيء.
ومن هنا استنفرت السلطة كلَّ أجهزتها البوليسية والسياسية والإعلامية لمواجهة هذه الزفَّة الإصلاحية الجديدة، مستفيدةً في هذه المواجهة بانقسامات الداخل وانشغالات الخارج.
الإخوان المسلمون كما هو واضح أعدوا عدتَهم للمعركة العمالية وقرَّروا خوضَها في حدود 15% من المواقع والمقاعِد فقط؛ لطمأنة بعض المتوجِّسين من ناحية وتطبيقًا لمبدئهم الجديد "مشاركة لا مغالبة" من ناحية أخرى، وربما لاختبار وجودهم في الوسط العمالي؛ حيث استطاعت الجماعةُ على مدى السنوات العشر الماضية تكوينَ قاعدةٍ لا بأسَ بها وسطَ العمال، تمكَّنت خلالها من إيصال عددٍ من كوادرها إلى رئاسة وعضوية العديد من اللجان النقابية الكبرى في الحديد والصلب وغزلَي المحلة وكفر الدوار ومصانع شبرا والإسكندرية.. إلخ.
وكان على الجماعة أن تستثمر هذا الحضورَ العماليَّ لخوض المعركة على نطاق أوسع، يمكِّن بعض أعضائها من الوصول إلى النقابات العامة والاتحاد العام، اللذين ظلاَّ مغلقَين تمامًا في وجهِ كلِّ القوى العمالية بخلاف المنتمِين للحزب الحاكم، وفي سبيل المحافظة على هذه الهيمنة الحكومية الكاملة على النقابات العامة والاتحاد العام تستخدم الحكومةُ كلَّ أسلحتِها وتندفع قادةً الاتحاد ونقاباته العامة- دفاعًا عن مغانمهم- لمواجهة أي محاولة لفكِّ الحصار وكسرِ الهيمنة التي حملتهم إلى عضوية مجالس الشعب والشورى والمحليات ومجالس إدارات الشركات والنوادي.
والغريب أن بعض القوى المعارِضة تتبنَّى نفسَ المنطق الحكومي، وتدَّعي أن خوض الإخوان الانتخابات هو "تسييسٌ" للحركة العمالية وإفسادٌ لها وإخراجٌ لها عن طبيعتها، وينسَى هؤلاء أن الإخوان ليسوا أولَ مَن خاض الانتخابات العمالية، بل هم آخر من فعَل ذلك، فقد سبقهم إلى ذلك كل الأحزاب والقوى النشطة، من يساريين وناصريين وليبراليين، وبطبيعة الحال الحزب الوطني الذي استطاع أن يسحق كلَّ خصومه السياسيين، وأن يعزِّز هيمنته على التنظيم النقابي- وإن لم يستطع أن يفعل ذلك على مجمل الحركة العمالية- التي تشهد اليوم روحًا جديدةً بدخول الإسلاميين الذين عليهم أن يكونوا عند حُسنِ ظنِّ العمال بهم؛ دفاعًا عنهم وتبنيًا لمصالحهم وحقوقهم المشروعة في مواجهة جور السلطات وأصحاب الأعمال.
لقد كانت الانتخابات العمالية تجري سابقًا في هدوءٍ لا يسمع عنها أحدٌ شيئًا خارج المصانع والشركات، وإذا نشرت الصحف المحلية عنها خبرًا فإنه يكون في الأبواب المخصَّصة للنقابات أو العمال أو في الصفحات المحلية المتأخرة، لكنها اليوم تفرض نفسَها على صدر الصفحات الأولى للصحف المحلية والعالمية والقنوات التليفزيونية، والفضل في ذلك لقُوى الإصلاح والتغيير التي قرَّرت خوضَ هذه الانتخابات وتضييق الخناق على قُوى الهيمنة والفساد، وهي معركةٌ ستُسفر عن ضحايا بالتأكيد، ولكنها التضحيات الواجبة دائمًا على طريق الإصلاح والتغيير والتي بدونها لن يتحقق شيءٌ.
ومن حُسن الطالع أن المعركة العمالية ترافقت هذه المرة مع معركة الانتخابات الطلابية؛ ما يُعيد إلى الأذهان ثنائية الطلبة والعمَّال ودورهم في النضال الوطني، ورغم أن طلاب مصر محرومون عمليًّا منذ خمسة عشر عامًا من المنافسة الحرة حيث تتدخَّل أجهزة الأمن في كل مرَّة لشطب الطلاب المنتمين للقوى السياسية المعارِضة للحزب الوطني، وعلى رأسها طلاب التيار الإسلامي، إلا أن الطلاب لم يَكَلُّوا ولم يستسلموا طوال تلك السنوات وابتكَروا فكرةَ الاتحاد الحر في مقابل الاتحاد الحكومي، وهي فكرة عبقرية تسمح للطلاب باختيار ممثليهم بحرية، بعيدًا عن قيود السلطة، حتى لو لم تعترف السلطة بهذه الاتحادات بل وتطارد أعضاءَها.
وفي هذا العام أراد الطلاب أن يُثبتوا أنهم في قلب معركة الإصلاح والتغيير- كما كانوا دومًا- فأعدُّوا عدَّتهم وجهَّزوا قوائمَ مرشَّحيهم، ولكنهم فُوجئوا بالشطب كالعادة، ومن هنا ثارت ثائرتهم، واحتدَّ غضبُهم حتى إنهم في فورة غضبهم خلَعوا البابَ الحديدي لجامعة القاهرة؛ في محاولةٍ للخروج إلى الشارع، لكن الشرطة تصدَّت لهم بالهراوات تارةً وبالبلطجية حَمَلَة السنج والشوم تارةً أخرى كما حدث في جامعة عين شمس.
ورغم النتيجة المعروفة سلفًا كما ذكرنا إلا أن الطلاب أثبتوا بالفعل أنهم جزءٌ أساسيٌّ في معركة الإصلاح، يُعوَّل عليهم إذا توحَّدت المعارضة فعلاً، وقررت خوض التحدي إلى منتهاه.
لقد جاءت معركتا الطلاب والعمال لتُعيد الأمل إلى النفوس بعد أن توارت القوى الحية الأخرى، من أحزاب ونقابات مهنية وقضاة، أو حتى حركات التغيير الجديدة التي خارَت قُواها أو يئست أو قُمعت بالقوة، ولكن المطلوب الآن هو الالتفاف حول هذَين القطاعَين الحيويَّين اللذَين كانا دومًا وقودَ معارك الإصلاح في العالم، ولنتذكَّرْ دور الطلاب في إسقاط الرئيس الأندونيسي سوهارتو ودور العمال في إيصال فاونسا إلى الحكم في بولندا وشافيز في فنزويلا ولولا في البرازيل، وإذا أفلتت منا هذه الفرصة فلا نلومنَّ إلا أنفسنا.