بقلم: بهاء فرح*

جولة طويلة من الحوارات بين حركة حماس والحكومة من جهة، وحركة فتح والرئيس عباس من جهة أخرى، حول تشكيل حكومة وحدة وطنية يستند برنامجها السياسي إلى وثيقة الوفاق الوطني، بالاستدراكات التي وضعتها حركة حماس بعد مشاورات عقدتها في مؤسساتها في الداخل والخارج.. مجمل الحوارات انتهى إلى الفشل والسبب من وجهة نظر فتح والرئاسة دائمًا "التشدد في موقف حماس"، و"التدخل الخارجي وتباين مواقف الحركة بين الداخل والخارج".

 

إلا أنَّ ما أثلج صدر الشارع الفلسطيني الإعلان عن التوصلِ إلى اتفاقٍ بين الطرفين على تشكيل حكومة وحدة وطنية، تأخذ برنامجها من وثيقةِ الوفاق، وتُسمي حركة حماس رئيس هذه الحكومة؛ إلا أنَّ المساعي لتشكيل هذه الحكومة فشلت في الدقائق الأخيرة وبعد وصول عباس إلى غزة للتشاور مع رئيس وزرائه حول الشخصية التي قدَّمتها حماس لترأس الحكومة الجديدة.

 

حماس كانت أعلنت أنها اختارت رئيس الحكومة، واتفقت عليه في مؤسساتها الشورية، وتبلور موقف بالإجماع بقبول هذه الشخصية، ومع وصول عباس إلى غزة، قدَّم هنية وزير الصحة في الحكومة الحالية د. باسم نعيم كرئيسٍ للحكومة القادمة، وبعد تفتيشٍ وبحثٍ في ملفات نعيم وشخصيته وأفكاره، أعلنت فتح رفض عباس لهذه التسمية، وخرج عبد العزيز شاهين في قناة العربية ليعلن فشل المساعي وتنصل حماس من الاتفاقات التي وقعتها مع عباس.

 

وهنا يدور سؤال في ذهن المواطن الفلسطيني هل حقًّا كانت كل من فتح وعباس موافقة على تشكيل حكومة وطنية؟، الإجابة تبدو ومن خلال مواقف متعددة أنها "لا"، ويدل على ذلك تصريحات ومواقف مسئولين في فتح، ومقربين من عباس.

 

أول مَن صرَّح بأن الحكومة الوحدوية لن تتشكل، كان ياسر عبد ربه، الذي أعلن قبل أيام أن حكومة الوحدة الوطنية ليست سوى أكذوبة، وأن حماس تحاول كسب الوقت من خلال المماطلة في الاتفاق حول شكل الحكومة القادمة.. كان ذلك الكلام صحيحًا، إلا أنها كانت أكذوبة من الطرف الآخر وليس من حماس، حيث سعت الحركة إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وتعاملت بجديةٍ في هذا الأمر، وكان آخر موقف لحماس قدمته لمصطفى البرغوثي قبل أيام بقبولها لحكومة وحدة وطنية يتنحى بموجبها هنية عن رئاستها، شرط أن تسمي هي الرئيس الجديد، ووافق عباس على ذلك.

 

صباح الإثنين وقبل توجه عباس إلى غزة، صرَّح عزام الأحمد، رئيس كتلة فتح في المجلس التشريعي، عبر إحدى الفضائيات بأن اتفاق عباس مع هنية حول شكل الحكومة الجديدة ليس اتفاقًا نهائيًّا، وأن موقف عباس ربما يتغير بعد وصوله إلى غزة ولقائه مع رئيس الوزراء، وهذا ما حدث بالفعل، حيث رفض الشخص الذي تمَّت تسميته لرئاسة الحكومة مع أنه شخصية مستقلة وليس من حماس.

 

السؤال الذي يدور الآن في الأذهان لماذا رفض الرئيس أبومازن رئاسة الوزير د. نعيم للحكومة القادمة مع أنه ليس من حماس؟، وما مميزات الشخصية التي يبحث عنها عباس لترأس الحكومة؟، وهل لو رشحت حماس شخصًا آخر غير د. نعيم سيتغير موقف عباس أم سيبقى على ما هو عليه؟.

 

الواضح أن المشكلة ليست في شخصية مَن يرأس الحكومة القادمة، بل في برنامجها السياسي، ومدى التقارب الفكري بين رئيسها والرئيس عباس.. أي أنه من الواضح أن ترشيح حماس لرئيس الحكومة ربما يكون مشكلة بحدِّ ذاته، وقد يكون أيضًا سببًا لرفض عباس له.

 

وبعبارةٍ أخرى يمكن القول إن ترشيح د. نعيم لا يختلف كثيرًا عن ترشيح د. جمال الخضري والذي كان المرشح الأوفر حظًّا، والاسم الذي تردد كثيرًا في وسائل الإعلام إلى جانب د. ناصر الدين الشاعر ود. سيمر أبو عيشة؛ أي أن ترشيح أي شخصٍ من هذه الأسماء ربما يكون مصيره الرفض أيضًا. عباس سيرفض أي وزير من الحكومةِ الحالية ولو كان مستقلاً، لأنه من وجهة نظره موالٍ لحركةِ حماس إن لم يكن منها، وموقفه سيكون مرهونًا بموقف حركة حماس باعتبار أنها مَن أوصلته لهذا المنصب.

 

وبحسب وجهة نظر عزام الأحمد فإنَّ أي وزير من الحكومةِ الحالية عضو في حركة حماس، وإن لم يكن كذلك فهو عضو في جماعة الإخوان المسلمين، وهذا ما قاله في أحد الندوات التي شارك فيها إلى جانب الوزير أبو عيشة، حيث ردَّ على مقولة الوزير بأنه ليس من حماس قائلاً "أنت إخوان مسلمين"، وعقب على كلامه قائلاً: "مشكلتنا أصلاً ليست مع حماس بل مع الإخوان المسلمين".

 

مشكلة ربما تكون في غايةِ التعقيد، فرئيس وزراء فاز في انتخاباتِ المجلس التشريعي عن حماس أو بدعمٍ منها، أو وزير في الحكومة الحالية، أو شخصية مقربة من حركة حماس يبدو أنه لن يكون مقبولاً بالنسبة لفتح وعباس؛ معنى ذلك أن عباس يحمل في جعبته خيارات وأسماء لمرشحين لرئاسة الحكومة القادمة وهؤلاء المرشحون يحظون بدعمٍ وتأييدٍ من جهاتٍ خارجيةٍ كأمريكا والرباعية، وربما يقدم هذه المقترحات في النهاية لهنية وحماس إن فشلت المساعي في اختيار شخصية مقبولة للطرفين، ويبقي عباس في هذه الحالة الكرة في ملعب حماس، ويُعلِّق نجاح المساعي لتشكيل الحكومة لنفسه، وفشلها على حماس.

---------

* إعلامي فلسطيني