بقلم- هشام الهلالي

الإساءة إلى الإسلام والمسلمين هي أبرز الأحداث في الآونة الأخيرة في أوروبا، فبدايةً من الرسوم الكاريكاتيرية ثم عرض سينمائي في النرويج والدنمارك يسيء لشخص الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- وأيضًا تصريحات بابا الفاتيكان بشأن الإسلام وشخص الرسول صلى الله عليه وسلم ومنذ أيامٍ قليلة نشرت جريدة الأهرام خبرًا عن انتحار قس ألماني؛ احتجاجًا على انتشار الإسلام في العالم وترك القس الألماني الذي يبلغ من العمر 73 سنةً رسالة قال فيها إنه يخشى الانتشار السريع للدين الإسلامي، وينتقد أسلوب الكنيسة التي لا تهتم بشكل كافٍ بهذا التنطور الخطير، أما عن كيفية إنهاء حياته، فهي في غاية الغرابة؛ حيث قام القس الألماني بإشعال النيران في نفسه في إحدى المغارات التابعة لدير في شرق البلاد.

 

وأيضًا قبل كتابة هذه السطور بساعات طالعتنا وكالات الأنباء بخبرٍ مفاده بأن إحدى دور العرض المسرحية في ألمانيا قامت بتقديم عرضٍ يسيء لشخص الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- وأيضًا للسيد المسيح عليه السلام.. كل هذه الأحداث بخلاف ما يتعرض له المسلمون في أوروبا في الآونة الأخيرة لصنوف التضييق والتوقيف، وثقل الأمور أحيانًا إلى حدِّ الاعتقال وربما تصل إلى أبعد من ذلك فقد نشرت جريدة الأهرام الجمعة الماضي خبرًا كشفت فيه متحدثة باسم قوات الطوارئ في بريطانيا عن العثور على جثث 5 أفراد لأسرة مسلمة من أصل باكستاني، وقد لقين حتفهن في حريقٍ مُثيرٍ للشبهاتِ في منزلهم وهم الأم وبناتها الأربع وأُصيب والدهن بجروح خطيرة.

 

تصريحات خطيرة

لا شك أن وتيرة الأحداث تتصاعد وبشكلٍ خطيرٍ بعد تصريحاتِ رجال الدين المسيحي في الغرب أو أي نبرات عداء للإسلام يُطلقها أي شخصٍ إلا أنَّ هذه التصريحات تصل لمرحلة القداسة إذا خرجت من رجل دين كبير في بلده، وهو ما سيترتب عليه أحداث سيئة للإسلام والمسلمين في ألمانيا في المرحلة القادمة، أما إذا خرجت التصريحات من رجل الدين الأول للكاثوليك والحبر الأعظم لهم بنديكت السادس عشر، فهنا وبكل تأكيد تكون الكارثة كبيرة وردود الأفعال شديدة حتى لو تراجع عن هذه التصريحاتِ فغالبًا سيقول المتطرفون إن هذا التراجع جاء نتيجةً للضغوطِ ويحضون في أعمالهم ضد الإسلام والمسلمين.

 

والغريب في الأمر أنَّ بابا روما الجديد ألماني الجنسية، ويبدو هو الآخر أنه  يريد أن يُعيد أمجاد البابوية منذ القرن الرابع الميلادي وحتى قيام الثورة الصناعية في أوروبا والتي أعادت الدين إلى داخل دور العبادة (الكنيسة) وفصلت الدين عن الدولة بعد الويلاتِ التي لاقتها من تحكمِ وتدخل رجال الدين المسيحي في الغرب الأوروبي في مقاليد الحكم وسيطرتهم كذلك على الأباطرةِ والحكام، وهم أيضًا الذين قادوا الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي والتي بدأت في نهايةِ القرن الحادي عشر الميلادي، وأطلقها البابا أوربا الثاني من دير كلير مونت في فرنسا.

 

فترة زمنية طويلة قادها البابوات الكاثوليك وأقحموا أنفسهم في المشاركة في الحكم أو السيطرة على الأباطرة والرومان وإدارة شئون الإمبراطورية والبلاد بدلاً منهم، هذه الفترة تخلَّف فيها الأوروبيون عن ركبِ التقدم الحضاري والتي كان يقودها المسلمون في الشرقِ وفي الغربِ في الأندلس بعد أن استمرت دولتهم هناك ثمانية قرون، وكانت أحد أهم أسباب تطور الغرب فيما بعد.

 

في ظل هذه الظروف السياسية الذي عاشها الغرب ومع قيامِ الثروة الصناعية كان طبيعيًّا أن يقوم الثوريون في كافة البلاد وبخاصة في غرب أوروبا بفصل الدين عن الدولة وإبعاده عن السياسة، فنشأ في أوروبا المذهب العلماني واقتصر الدين والعبادة داخل جدران الكنيسة والأديرة، وعادت المقولة القديمة للدولة الرومانية "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله".

 

أما اليوم فيبدو أنَّ هناك مَن يحاول إعادة دور كنيسة روما من جديد وإقحامها في السياسة مرة أخرى، كما كانت تفعل من قبل وبخاصة مع بروز المحافظين الجدد في عددٍ من البلدان، ومنها ألمانيا التي حدثت فيها الإساءات الأخيرة والعداء للإسلام وأيضًا بريطانيا وغيرها من الدول الذي بدأ يبرز فيها المحافظون، ويطالب قادتها بألمانيا للألمانيين وفرنسا للفرنسيين، كما كان يدعو جان جاك لوبن الزعيم الفرنسي المتطرف، ولكن يبدو أن هذه المقولات بدأت تجد صداها في ظل الأحداث وفي ظل تصريحاتِ البابا بنديكت السادس عشر، وهو ما يعني حقبة جديدة من عودة كنيسة روما للصدارة وللتدخل في شئون الحياة السياسية من جديدٍ إلى جانب أنها حقبة جديدة من العداءِ للإسلام والمسلمين ولشخصِ الرسول الكريم.

 

بوش وبلير

أحداث سبتمبر سنة 2001م كانت هي المنطلق لهذه السياسة التي بدأها جراهام وفرانكلين في أمريكا واستطاعا أن يقودا أمريكا والعالم وقتها أن يطلق لفظ (الحرب المقدسة ضد المسلمين)، ثم تراجع بوش وقال إنها حرب ضد الإرهاب، القس جراهام وولده فرانكلين من أبرز مروجي الخرافات في العالم وما يحدث في العراق من قتلٍ ودخول أمريكا وتورطها في العراق حتى الآن بفضل هذين الدجالين؛ حيث طالبا من بوش إحياء مملكة باب الجديدة، وطالباه أن يقوم بإحياء فكرة محور الشر ومحاولة التقريب بين سوريا وإيران وحزب الله وتجمعهم في بوتقة واحدة.

 

طالبا بوش بإمعانِ القتل في بغداد عند شرق نهر الفرات، وأوهمَا بوش وبلير أن معركة نهاية البشرية كما يزعمان هرمجدون قاربت، وأن هزيمة محور الشر المسلم ووقتها سينزل المسيح عليه السلام ويبارك لهم ما فعلوه وسيكون في مقدمة مستقبليه بوش وبلير وجراهام وفرانكلين، أرأيتم كيف يسير بوش وراء الدجالين ويقوم بقتلِ المسلمين هنا وهناك؟ أرأيتم كيف انتقلت الفكرة إلى أوروبا وأصبح الإسلام والمسلمين ورسولهم الكريم مساراتٍ للسخرية والاستهزاء؟ أرأيتم كيف يقوم قس ألماني بإشعال النار في نفسه بسبب انتشار الإسلام وغياب دور الكنيسة عن مواجهة الإسلام؟ أرأيتم من أين يكتسب البسطاء والشعوب الغربية العداء للإسلام والمسلمين؟

 

وفي الختام عندما دخل حزب (إسرائيل بيتنا) بزعامة ليبرمان المتطرف الحكومة منذ أيام طالب ليبرمان بأن تصبح دولته مثل قبرص 1974م ثم تقسيمها إلى نصفين، وأن يتم طرد عرب 48 ومَن أراد أن يبقى داخل الدولة فعليه أن يقسم يمين الولاء للدولة اليهودية الصهيونية.