بقلم: د. حامد أنور

الهيكل الإداري في مصر أحد أهم معوقات التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي في البلاد، فقد تكوَّن هذا الهيكل نتيجة تراكم اللوائح والقوانين البالية والتي تجاوزها العالم بقرون، فهو يقوم على أسس ديكتاتورية ونظم بيروقراطية تحول الموظف إلى إنسانٍ آلـيٍّ أو إلى روبوت يتحرك بالريموت كنترول لا يناقش ولا يحاور بل يُنفِّذ فقط قائلاً: "أنا عبد المأمور".

 

لقد أصبح الرئيس في العمل يتحكم في الموظفين ويمتلكهم يُقرِّب مَن يشاء ويُبعد مَن يشاء.. يُعطي مَن يشاء ويحرم مَن يشاء دون أن يسأله أحد أو يراجعه أحد.. كل ذلك وهو متستر بتلك اللوائح والقوانين البالية، وأصبح منطق مصلحة العمل يُعطيه صلاحيات واسعة في اتخاذِ ما يريد من قراراتٍ دون رقابة عليها وإصدار أوامر وفرمانات تُنفَّذ بلا نقاشٍ، وأصبح لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يسألون، وأصبح كل رئيس في العمل خبيرًا بتلك الدهاليز والثغرات التي من خلالها يستطيع أن يُحقق ما يريد وما يتفق مع مصالحه الخاصة.

 

إنَّ رئيسَ أي مصلحةٍ حكوميةٍ أصبح ينظر إليها على أنها عزبة خاصة "وسية" أُنعم عليه بها كأنها بقرةٌ حلوبٌ تدر عليه من الخيراتِ ما لا ينقطع، واتحدَّى أن تكون هناك في أي مصلحةٍ حكوميةٍ أي رؤيةٍ خاصةٍ أو إستراتيجية لسير العمل وضمان مصلحة المواطنين، بل إنَّ الأمورَ تسير وفق المعايير الخاصة بكل رئيسٍ للمصلحةِ تختلف باختلافِ الرؤساء المتوالين عليها والتي يرى كل منهم في فترته كيف يحقق أكبر استفادةٍ منها قبل أن يذهب ويأتي غيره، وهكذا دواليك.

 

ولكل رئيسٍ في العمل رجاله وعيونه الخاصة تنقل له كل كبيرةٍ وصغيرةٍ، وقد يُضاف إليها بعض "التحابيش" فأصبح لتلك العيون سطوة ونفوذ يخشاه الجميعُ ويهابه الجميع، ثم بعد كل ذلك يتحدثون عن البحثِ العلمي ورفع مستوى الكفاءات، وعن عودة العقول المصرية المهاجرة فلماذا ترجع إلى هذا المناخِ المسموم والذي كان أصلاً سببًا في هجرتها.

 

إنَّ النبوغَ العلمي مثله كمثل نبتةٍ صغيرةٍ تحتاج إلى رعايتها وإلى تهيئةِ المناخ المناسب لنموها، فإذا فسد المناخ ماتت وتحوَّلت إلى هشيم تذروه الرياح.. فكم من نوابغ عصفت بهم ريح البيروقراطية وكم من قيمةٍ علمية ماتت في أحضانِ المصالح الحكومية وتحت أقدام الروتين.

 

إنَّ حكومتنا قد تُنفق ببذخٍ على راقصةٍ أو مهرجانٍ أو على بطولة رياضية، أما القمم العلمية فإنها تترنح تحت مسميات العهدة, الميزانية, رسوم التسجيل.. أشياء تُشعرك أنَّ من وضعها كان يريد أن يخنق كل مَن يريد أن يُفكِّر.

 

إنَّ رسومَ تسجيل الأفكار لحمايتها من السرقة في وزارةِ الثقافة 200 جنيه يدفعها صاحبُ الفكرة جزاءً وفاقًا؛ لأنَّ مَن يُفكِّر في بلادنا لا يُكافَأ بل عليه أن يدفع الضريبة.

 

لقد تحوَّلت مصر إلى دولةٍ طاردةٍ لأبنائها.. لعقولها يتمنون الهجرة منها إلى عالمٍ آخر يفتح أحضانه ومعامله وجامعاته لهم، إن المصري الذي كان مرتبطًا بأرضه ووطنه ونيله أصبح يتوق إلى يوم الخروج منه، كل ذلك بسببِ هذا الأهوال التي يحملها والتي تنوء عن حملها الجبال.

 

وأصبح المصري يسير في الشارع يُكلِّم نفسه، الذهول والاندهاش يعلو وجهه، وشرود الذهن يأخذه إلى عالمٍ مختلفٍ عمَّا حوله.. ألم تصادف رجلاً يعبر الطريق وهو لا ينظر إلى العرباتِ من حوله وكأنَّ الطريق أصبح خاليًا إلا منه وحده؟! ألم تصادف رجلاً تتحدث إليه مرةً ومرةً وهو لا يسمعك كأنه في عالمٍ آخر؟! ألم تصادف رجلاً يرفع يديه إلى السماء ثم تنزل الدموع في عينيه حسرةً على ما فعلته به الحكومات المصرية المتعاقبة.

 

فمصر لن تتقدم إلا إذا تمَّ نسف هيكلها الإداري العتيق، فهو الذي يُعرِّقل بل يحاصر القدرات والإبداعات.

 

حكى لي صديقي أن منسق الزمالة المصرية في إحدى المستشفيات التعليمية بدلاً من أن يقوم بتدريب الأطباء ووضع البرامج لهم لرفع مستواهم إذا به يتبع سياسة التطفيش معهم والتربص بهم، فتمضي فترة التدريب دون أي استفادة منها في إحدى العجائب بمصر وما أكثرها تجعل الابتسامة ترتسم على شفتيك والدموع تنفجر في مقلتيك.

وكم ذا بمصر من المضحكات          ولكن ضحك كالبكا