بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل

في الخمسينيات والستينيات وحتى عام 1967 كان العالم العربي منقسمًا إلى معسكرين متصارعَين على قاعدة الانقسام الكبرى بين الشرق والغرب أو بين المعسكر السوفيتي والمعسكر الغربي، وكانت الدول العربية الموالية للمعسكر السوفيتي تطلق على نفسها "الدول العربية التقدمية" وعلى رأسها مصر، أما الدول الموالية للمعسكر الغربي فكان يطلق عليها الدول الرجعية أو ذات الأنظمة المحافظة في أكثر التسميات أدبًا وتحفظًا.

 

ولعل ثورة اليمن 1961 وانفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة كانا الحدثَين المتناقضين، فالانفصال صوِّر على أنه كسرٌ للوحدة المصرية السورية وفصمٌ لعُرَى أول تجربة وحدوية عربية في التاريخ ومؤامرة على المعسكر التقدمي، رغم أن سوريا كانت جزءًا من هذا المعسكر، وظلت كذلك بعد الانفصال.

 

أما الثورة اليمنية فكانت تصوَّر على أنها إنهاء لحكم رجعي وهجمة على معسكر الدول الرجعية، فلا غرابةَ أن يكون التدخل المصري في اليمن لنصرة الثورة اليمنية أكبر مناسبة للصدام المسلَّح بين المعسكرين في العالم العربي، وأكبر مواجهة بين تيارين: الأول يدعو إلى الاشتراكية العربية ويتجه بكليته إلى المعسكر السوفيتي في التسليح والسياسة الخارجية والداخلية، والثاني يتجه نحو الولايات المتحدة في كل شيء، فكان الصدام السوفيتي الغربي بأيدٍ عربيةٍ صورةً من صور حروب الوكالة التي خاضتها دول العالم الثالث في معظم الأحيان لصالح الكبار وبدعمهم.

 

وقدر بعض الدارسين المحدثين أن حربي 1967 و1973 هي صورٌ لحرب الوكالة بمعنى ما، فهزيمة 1967 لمصر وسوريا والأردن كانت بمعنى ما هزيمةً للمعسكر التقدمي وهزيمةً للسلاح السوفيتي الذي لم يُجرَّب في مصر أصلاً، بعد أن أنهى الكيان الصهيوني الحرب خلال الساعات الأولى من صباح يوم الخامس من يونيو 1967 أما انتصار 1973 فقد صوِّر على أنه بمعنى ما انتقامٌ لكل ما حدث عام 1967، ومن بين دلالات هذه الحرب انتصار السلاح السوفيتي في مواجهة السلاح الأمريكي، رغم أن الحقيقة هي أنه في عام 1973 انتصرت إرادة التحرير على همجية الاحتلال والهيمنة والاغتصاب، ولم يكن السلاح سوى أداة، وهو سلاح في الجانبين لا سبيل إلى المقارنة بينهما على أية حال.

 

وقد أنهت حرب 1967 انقسام العالم العربي ووحَّدته الهزيمة والهوان، ثم وحَّده مرةً أخرى انتصار 1973 الذي تضامن فيه الجميع، تقدميون ورجعيون، فكما قادت مصر جبهة العمل العسكري قادت السعودية جبهة العمل المالي والاقتصادي والبترولي والدبلوماسي، وإذا كانت هزيمة 1967 هي هزيمة للجميع في المعسكرين حتى لمن لم يشترك فيها فإن انتصار 1973 كان انتصارًا للعرب دون تمييز ضد الكيان الصهيوني، بعبارة أخرى فإن الحرب الباردة العربية كانت تدور بين دول المعسكرين المنقسمين حول موسكو وواشنطن.

 

وعندما أعلنت الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر 2001 الحملة على الإرهاب على المستوى العالمي قسمت العالم إلى أخيار وأشرار، وخصت في معسكر الأشرار العراق وإيران وكوريا الشمالية؛ تطبيقًا لتصنيف بوش "من ليس معنا في هذه الحرب فهو علينا، رغم أن جميع دول العالم أعلنت أنها ضد الإرهاب، ولكن ليس بالمفهوم الأمريكي الذي يجعل الإرهابي هو كل فرد أو دولة لا تسير في ركاب الولايات المتحدة، أما التطور الثالث فهو إعلان الولايات المتحدة منذ عام 2002 أنها تقسم العالم والعالم العربي إلى دول ديمقراطية ودول دكتاتورية، وأن الإرهاب ينمو في الدول الدكتاتورية؛ ولذلك فإن تحويل العالم العربي إلى دول ديمقراطية هو جزء من مفهوم مكافحة الإرهاب.

 

ولما ثبت بدلائل متعددة أن الولايات المتحدة لا يهمها الديمقراطية والإصلاح في العالم العربي إلا بقدر تحوّل جميع النظم العربية إلى خدمة المصالح الأمريكية تخلَّت واشنطن عن اللعبة الديمقراطية والإصلاح بعد أن كشفتها تجربة حماس في فلسطين، وتبين أن محور الانقسام هو ليس فقط الولاء للولايات المتحدة وإنما التقارب من اليهود، حتى أصبح معدل هذا التقارب هو مقياس الولاء والتحالف مع الولايات المتحدة، ورفضت واشنطن إصرار بعض الدول العربية أن يكون الاقتراب من الكيان الصهيوني هو الطريق إلى اعتماد الصداقة أو الإدراج في معسكر أصدقاء واشنطن، وأوضحت هذه الدول صراحةً أن الاقتراب من الكيان له ظروف أخرى، فلا يجوز التقرب منه وهو يَجلد كل يوم الشعوب العربية في فلسطين ولبنان، وينكر حقوق الشعب الفلسطيني على أرضه ويستمر في بناء الجدار العازل والمستوطنات.

 

أكدت هذه الدول أيضًا أنها لا تعادي "إسرائيل" لكنها لا تستطيع التقارب معها، فيكون هذا التقارب جائزةً لها على تعنتها وعدوانها، وأكدت هذه الدول لواشنطن أن تسوية الصراع في فلسطين بأي شكل هو الخطوة الأولى لإزالة الحرج للتقارب مع "إسرائيل" ما دام هذا التقارب هو القربان المطلوب لسيد البيت الأبيض، وقد لمز بعض الخبثاء بأن هناك دولاً تخلَّت عن بعض مظاهر كرامتها وحقوقها الوطنية إرضاءً لـ"إسرائيل" دون أن يكون ذلك شفيعًا لها عند سيد البيت الأبيض.

 

كما يشيرون إلى أن ليبيا التي تريد الاقتراب من واشنطن تتجاوز العقبة وهي التقرب بأعتاب تل أبيب، وتقفز مباشرةً إلى ساحة البيت الأبيض بعدد من الأوراق، ولكنها لن تنجح في ذلك إلا بالوفاء بالالتزام الأولي وهو الإعلان صراحةً عن هذا التقارب، وأنه لا تكفي التصريحات الأخرى الأقل في صراحتها من ذلك.

 

التطور الرابع هو هذا التقسيم الجديد الذي قدمته كونداليزا رايس خلال جولتها في المنطقة في الأسبوع الأول من أكتوبر 2006، وهي أن الدول العربية قسمان: دول معتدلة وهي مصر والأردن والأعضاء الست في مجلس التعاون الخليجي، ودول متطرفة وهي سوريا ويضاف إليها حماس وحزب الله ثم إيران إذا تجاوز التقسيم العالم العربي، ويعني التقسيم أن الدول المعتدلة بقيادة الولايات المتحدة هي التي تعالج جميع القضايا الإقليمية، والمنطقي أن "إسرائيل" هي الطرف الآخر المختفي خلف الستار أو هي الغائب الحاضر؛ لأن المطلوب أن تتصدَّى هذه الدول الثمانية نيابةً عن العالم العربي لإيران وحماس وحزب الله، ومساعدة واشنطن على الخروج سالمةً من العراق بعد أن تكون قد أجهزت عليه بالكامل بالتقسيم والحرب الأهلية؛ حتى لا يعاد له سبْك، كما تتصدَّى هذه الدول للسودان المتمرد على الوصاية الأمريكية ويرفض احتلاله انطلاقًا من دارفور تحت ستار القوة الدولية.

 

ورغم تصريحات الرئيس مبارك برفضه هذا التقسيم للعالم العربي وتصريحات وزير الخارجية المصري بأن هذا التجمع ليس تنظيمًا إقليميًّا جديدًا، وإنما هو مجرد اجتماع للتشاور، وأن اجتماع وزيرة الخارجية الأمريكية مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون كان تقليدًا لعدة سنوات، وأن الجديد في القاهرة هو انضمام مصر والأردن، ونحن نعتقد أن مثل هذه التصورات شيء وما تريده واشنطن شيءٌ آخر، خاصةً أن مجمل التصريحات الأمريكية تعكس الفكر الأمريكي في هذا الشأن، ومن غير المعقول أن يلتفت المراقب عن تطور هذا الفكر الأمريكي واضطرابه في هذه المرحلة، فقد أعلنت كونداليزا رايس صراحةً أنها لا تصرُّ على إنشاء النموذج الديمقراطي الأمريكي في العالم العربي، ولن تفرض شيئًا على الحكومات العربية، وأن واشنطن مستعدة لمغادرة العراق إذا عثرت على الصيغة التي تحفظ لها ماء وجهها.

 

هذه التصريحات تعكس أمورًا ثلاثةً بالغة الأهمية إذا وضعناها في سياق تصريحات بوش ورايس حول الاهتمام المطلق بحل القضية الفلسطينية، وأن بوش سيخصص العامين القادمين من ولايته لهذه القضية، بينما تعلن رايس أنها عجزت خلال جولتها عن مجرد إقناع "إسرائيل" بأن تخفف القيود على الفلسطينيين.

 

الأمر الأول: أن واشنطن تتظاهر بالاهتمام بالقضية الفلسطينية إرضاءً لوصايا الجانب العربي، وأن "إسرائيل" لن تسمح لواشنطن حتى ببعض التنازلات في معاملة الفلسطينيين؛ حتى لا تكسب واشنطن شيئًا مطلقًا من هذا الباب، أي أنه على العالم العربي ألا يتوقع شيئًا في هذه القضية إلا ما تقرره إسرائيل في إطار تصورها الخاص بتسوية المشكلة، وربما أوضحت "إسرائيل" لرايس أن خنق الفلسطينيين وإذلالهم هو أحد إجراءات الخطة الإسرائيلية الناجحة لتفجير الوضع الفلسطيني، ولا يجوز أن تتدخل واشنطن لتُرضي الجانب العربي على حساب نتائج الخطة الإسرائيلية التي بدأت تؤتي أكلها في فلسطين نحو تدمير الجانب الفلسطيني والقضاء على حماس في السياسة والميدان.

 

الأمر الثاني: هو أن التستر بنشر الديمقراطية كأداة للضغط على الحكومات لإثارة أشواق الشعوب العربية الكارهة للسياسات الأمريكية لم يستمر طويلاً، فكشفت الولايات المتحدة عن الوجه الحقيقي الذي يتعامل مع حكومات تتعاون معها بقطع النظر عن علاقة هذه الحكومات بشعوبها، خاصةً بعد ما تكشَّف من فضائح الممارسات الأمريكية في سجون الاحتلال وفضائح النيل من نطاق الحريات المدنية في الولايات المتحدة، واضطراب العلاقة بين الإدارة وكل من السلطتين القضائية وإلى حدٍّ ما التشريعية أصلاً، ومعنى ذلك أن المرحلة القادمة سوف تشهد درجةً عاليةً من انحسار حركة الحريات الفردية في العالم العربي، وانحسار المصطلحات التي ظهرت في مرحلة الشعارات الخاصة بالإصلاح والديمقراطية، وقد تبرِّر السياسةُ الأمريكية تحوُّلَها في المرحلة القادمة بأنها أعطت دفعة الانطلاق لحركة الديمقراطية، وهذا يكفي دون أن تقر بأن هذه السياسات قد انكشفت وفشلت ثم طويت.

 

الأمر الثالث: أن الإقرار بفشل السياسة الأمريكية فى العراق لأول مرة رسميًّا يعني فشل توجه أمريكي كامل، وهو أن بغداد الديمقراطية الأمريكية لن تكون بديلاً عن القاهرة مركز العالم العربي، وأن التحول مرةً أخرى إلى القاهرة بعد فشل المعالجات في بغداد يشترط أن تتغير القاهرة، وأن تكون مركز توجيه السياسات العربية وفق الرغبات الأمريكية وبمساعدة أمريكية، تمامًا كما فعلت واشنطن مع صدام حسين حين دعمته لعزل القاهرة في العالم العربي؛ بسبب تجرؤها على صلح منفرد مع إسرائيل، رغم أن ما تم مخطط أمريكي إسرائيلي لكل فيه حصته ومنافعه، فاتجه العالم العربي بضغط أمريكي إلى القبلة الجديدة لتحطيم القبلة الأصلية الأولى، وهكذا تتبادل بغداد والقاهرة الأدوار: بغداد الخمسينيات التى كانت مقرًّا لحلف بغداد العسكري، ثم قاهرة القرن الجديد التي تصبح مركز التوجيه والتحالف السياسي العربي الأمريكي، فأصبحت القاهرة التي قاومت أحلاف الخمسينيات دفاعًا عن الاستقلال الوطني وضمنًا خدمة للسوفيت مركز التحالف السياسي الذي يحمي المصالح الأمريكية ويطوع مفهوم المصلحة العربية، ويحدد العدو والصديق طبقًا لهذه المفاهيم.

 

وما دام مفهوم مكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة قد دفع الدول إلى التجاوز عن الخلافات داخل الأقاليم.. فإن الاستقلال والسلام والهدوء يتطلب التعاون بين كل الفرقاء العرب والإسرائيليين بقيادة الولايات المتحدة؛ للقضاء على التطرف والإرهاب في المنطقة، وبذلك تتمكن "إسرائيل" من القضاء على أعدائها والعيش بسلام ضمن حدود سياسية إقليمية هادئة وحدود جغرافية في فلسطين تنسجم مع المخطط الصهيوني، ولا أظن أن في هذا التأصيل افتئاتًا أو جورًا على أحد.. ألم تتفق الدول العشر (بما فيها إسرائيل) على أن حزب الله عقبة في سبيل السلام اللبناني الإسرائيلي الذي تمارس فيه الحكومة اللبنانية سيادتها الكاملة على سائر التراب اللبناني، بصرف النظر عن قدرتها على حماية أراضيها أو مقاومة الهيمنة السياسية الإسرائيلية؟! وألا تتفق هذه الدول على أن تصدِّي حزب الله لإسرائيل وهو البادئ عندها بالعدوان، قد كبَّد لبنان كله ما لا يطيقه في سبيل مخطط سوري إيراني دفع ثمنه الشعب اللبناني كله، وإن كان الثمن الأكبر دفعه شيعة لبنان؟!

 

ألا تتفق هذه الدول جميعًا على أن الحكم الذي نصبه الاحتلال ويكرس التقسيم والنفوذ الإيراني تجب مساندته ما دام ذلك خيارًا أمريكيًّا؟ ورغم ما لدى دول الخليج من آراء أخرى مغايرة؟ ألا تتفق هذه الدول جميعًا على أن الشيعة في المنطقة خطر عليها ويجب على السنة أن تتكتل للتصدي للمد الشيعي وهو الخطر الحقيقي، فلم تعد إسرائيل هي الخطر، وهو تصور أمريكي قديم يَلقَى هوى في نفوس الدول العربية الثمانية؟!

 

ألا تتفق هذه الدول على أن حماس جزء من كتلة الإخوان المسلمين، وأن نجاحها يعني الكثير بالنسبة لأداء هذه الدول في الصراع العربي الإسرائيلي، وبالنسبة للسياسات الداخلية لهذه الدول، وأن حماس تتحدث في الأخلاق، بينما أبو مازن يتحدث في فن الممكن السياسي غير الأخلاقي، وأن الشعوب تحتاج إلى هذا الممكن وليس إلى المثاليات الأخلاقية، وأن حصار الشعب الفلسطيني مرتبط باستمرار حماس!!

 

ألم تُجمع هذه الدول وأبو مازن على أن الانتفاضة كلفت الشعب الكثير، وأنها أوقفت عملية السلام، وأن الانتفاضة والإرهاب سواء، وأن ترك إسرائيل تقضي عليها جنبت الدول العربية حرج المطالبة بوقفها أو القضاء عليها؟ ألا تُجمع هذه الدول على أن المصلحة العربية تتطلب الإبقاء على القليل الباقي بدلاً من التضحية بما هو قائم في ظل الخلل الفادح في ميزان القوة؟ ألا تتفق هذه الدول جميعًا على أن انتصار إيران سلمًا أو حربًا في المواجهة مع الولايات المتحدة سوف يشجع الشيعة ويقوي شوكتهم، وأن تحالف سوريا مع إيران لا جدوى منه ولا ضرورة له إذا تمت تسوية معقولة أو وعدت سوريا بدمجها في جماعة العقلاء حتى تتخلى عن إيران وحماس وحزب الله؟

 

تلك كلها قواسم مشتركة، فلماذا لا يصبح هذا التجمع منظمةً لإدارة العالم العربي بما يحقق الانسجام بينها وبين "إسرائيل" والولايات المتحدة، فيسود السلام والاستقرار والأمن، فلا يجوز لهذه الدول أن تشعر بالحرج من هذه الصيغة وأن تشعر بالحساسية تجاه النقد، ولكنها يجب أن تدرك يقينًا أنها تتآمر على المصالح العربية في الوقت الذي تعلن فيه أنها تحسن بهذه المصالح صنعًا.