ترجمة: حسين التلاوي

المصدر: جريدة الـ(تايمز) البريطانية

الكاتب: إنديا نايت

تاريخ النشر: 15 أكتوبر 2006م

 

أثارت المزاعم التي أطلقها وزير الخارجية البريطاني السابق جاك سترو ضد النقاب موجةً من الجدل حول تلك القضية حيث ادَّعى بعنصرية مقيتة أنَّ النقابَ يعوق التواصل بين الناس!!، وقد تبع سترو في ذلك وزير الحكم المحلي وشئون الأقليات فيل وولاس الذي ادَّعى في مقالٍ أخيرٍ له أنَّ النقاب وسيلة من وسائل التفرقة العنصرية في المجتمع؛ الأمر الذي سيؤدي- حسب زعم وولاس- إلى أنْ تتمسَّك كل جماعة في بريطانيا بهويتها العنصرية-!!- مُطالبًا بفصل المعلمة عائشة نظمي من العمل لإصرارها على ارتداءِ النقاب أثناء العمل!!

 

وعلى الرغم من تراجع الوزير وولاس عن تصريحاته هذه انتشرت موجة الهجوم على الحجابِ ووصلت إلى حكومة الظل البريطانية؛ حيث طالب وزير الداخلية في حكومةِ الظل وعضو حزب المحافظين ديفيز ديفيز بفصل المنقبات من عملهن بدعوى أنَّ النقاب يمنعهن عن القيام بمهامهن، وتأتي هذه التصريحات في إطار العديد من الممارسات التمييزية ضد المسلمين؛ حيث طالبت وزارة التعليم البريطانية الجامعات والمعاهد العليا بالتجسُّس على الطلبة المسلمين بدعوى مكافحة العنف المسلح.

 

وباتت العنصرية هي اسم اللعبة رسميًّا تجاه المسلمين في بريطانيا، وفي الإطار يبدو أنَّ سترو حاول أنْ يستغل الأجواء المعادية للإسلام في تحقيق مكاسب سياسية؛ حيث إنَّه يسعى إلى استعادةِ صورته السياسية التي تعرَّضت للاهتزاز بعد الإقالة من وزارة الخارجية، وتحضير نفسه لتولي منصب نائب رئيس الحكومة ضمن التغييرات التي من المتوقع أنْ تجري في الحياة السياسية البريطانية في الفترة القادمة، ولم يجد- بطبيعة الظرف- طريقًا أقصر من ذلك إلا تبنِّي تيار التَّشَدُّد الذي كان قاصرًا في الماضي على حزب المحافظين لا حزب العمال الذي ينتمي إليه سترو.

 

وقد انتقد المسلمون تلك التصريحات غير الموضوعية؛ حيث انتقد مجلس مسلمي بريطانيا فيل وولاس لمطالبته بفصل مساعدة مُعَلِّمَة مُسلمة عن العمل لارتدائها النقاب في مدرسة ابتدائية، كما وصف اللورد أحمد  العضو المسلم الوحيد في مجلس اللوردات عن حزب العمال تصريحات وولاس بأنَّها "أمرٌ غير مسبوق"، مضيفًا "بل غير عادي أنْ يدعو وزير لإقالة مُدَرِّسَة"، مشيرًا إلى وجود تشويه مستمر للمسلمين.

 

وفي هذا الإطار، وعلى خطورةِ هذا الاتجاه على الأمنِ والسِّلْمِ الاجتماعيَّيْن في بريطانيا نشرت جريدة الـ(تايمز) البريطانية مقالاً مهمًّا للكاتبة إنديا نايت تناولت فيه هذه الإشكالية من وجهة نظر بريطانية مُغايرة.

 

وفي هذا المقال تُشير الكاتبة إلى أنَّ المسلمين في بريطانيا يعانون من التمييز غير العقلاني؛ حيث إنَّ الديمقراطية المزعومة في بريطانيا من المفترض لها أنْ تكفُل للكل حق ارتداء الثياب التي يريدها، مشيرةً إلى أنَّ سترو لم ينتقد الراهبات اللواتي يرتدين زيًّا مُشابهًا للزي الإسلامي ويغطين شعرهُن، كما أنَّ المجتمع البريطاني يموج بالأشكال المختلفة للزي والتي لم يعترض عليها أحدٌ إلى جانب وجود اليهود الأرثوذكس من طائفة الحسيديم الذين يرون أنَّ كل من هو غير حسيدي يعتبر غير طاهر!!

 

واستمرت الكاتبة في التأكيد على أنَّ ضيق الأفق هو الأمر الذي يحكم نظرة المجتمع البريطاني للمسلمات؛ حيث يراهُنَّ مقهوراتٍ تحت تأثير الذكور، إلا أنَّ الكاتبة تصف تلك النظرة بالجهل؛ حيث إنَّ النساء المسلمات كادحات وصلبات وقادرات على التعامل مع التحديات المختلفة في الحياة، الأمر الذي يجب أنْ يكون مثار خجل سترو ومن أيَّدَهُ في تصريحاته.

 

وعلى أهمية المقال، وتعميمًا لفائدته فقد رأينا في (إخوان أون لاين) تقديمه كاملاً لقارئي العربية، للاطلاع على ما يجري طرحه من آراء على الجانب الآخر:

 

موسم الهجوم على المسلمين!!

بقلم: إنديا نايت

الآراء التي أدلى بها (وزير الخارجية البريطاني السابق) جاك سترو حول النساء المسلمات والنقاب ليست لها علاقة بقضية المعلمة عائشة عزمي التي رفضت خلع النقاب فهي مسموح لها بارتداء النقاب في كل مكان في المدرسة عدا في الفصل الدراسي؛ حيث طلبت منها الإدارة التعليمية المحلية ضرورة خلع النقاب ليتمكَّن التلاميذ- الذين يتعلم غالبيتهم اللغة الإنجليزية كلغةٍ ثانيةٍ- من رؤية حركات فمها عن الشرح، يبدو هذا الكلام عقلانيًّا إلا أن باقي "المناقشة" المثيرة للأسف ليس عقلانيًّا على الإطلاق.

 

وزير الخارجية السابق- وهو الرجل أبيض البشرة- جاك سترو قال إن النقاب "تعبير مرئي عن الانفصال والاختلاف"، وطلب من النساء اللواتي يزرنه في مقره بدائرته الانتخابية أن يخلعنه، لكن ماذا عن الراهبات؟ هل طلب منهن أن يكشفن شعرهن أيضًا؟ إنه الموسم المفتوح للهجوم على الإسلام، إنه من المثير للإزعاج والقلق أن نجد مَن يدعو ليس فقط إلى تحمل تصريحات سترو التمييزية ولكن إلى مناقشتها على كل الجوانب.

 

لقد بات من المقبول- وخصوصًا منذ أحداث 7 يوليو- التعبير عن مواقف تنم عن جهلٍ بالإسلام وتحطُّ من قدره بينما نحن لا زلنا نتساءل عن العواملِ التي تجعل الشباب المسلم أكثر غضبًا وارتباطًا بالتطوراتِ السياسية وعن الأسبابِ التي تدفع الشابات المسلمات اللواتي لا تُغطي أمهاتهن شعرهن إلى ارتداء النقاب الذي يغطي الوجه كله ولا يترك سوى مساحة صغيرة للعينين.

 

يضايقني فعلاً استمرار النساء المطالبات بحرية المرأة في تكريس أنفسهن لترديد تلك الآراء البالية الممثلة في أن طبيعة الإسلام ذاتها تقهر المرأة (بما يخالف الإنجيل، هه؟) وأن النقاب يمثل الدليل على ذلك القمع، وفي رأي دعاة حقوق المرأة أن النساء المسلمات مقهورات بسبب عدم قدرتهن على وضع مساحيق التجميل أو ارتداء الأحزمة البراقة حول الخصور، ألم يخطر ببال هؤلاء البلهاء أن المرأة لا ينبغي عليها أن تفقد وعيها من فرطِ السعادة لمجرد أنها حصلت على حقها في ارتداء ما تريد؟ إن الديمقراطية هي السبب الرئيسي في أن عددًا كبيرًا من النساء في بعض الشرائح الاجتماعية ترتدي النقاب، كما هي السبب الرئيسي في أن ترتدي منتقدات النقاب ما يحلو لهنَّ من الملابس.

 

حسنًا سأحاول التوضيح، يجب أن أبدأ بالقول إنني ولدتُ في باكستان من أم هندية وأب مسلم، وبالتالي فأنا أقدر من كل المعلقين البروتستانتيين المتشددين على التعليق على الموضوع لسببين الأول هو أن لي عددًا كبيرًا من القريبات يرتدين النقاب، والثاني هو أنني عشت معظم فترات طفولتي بين الهند وباكستان، وبالتالي فقد لمستُ عن قربٍ مفاهيم التعصب وأقدر على القول إن ما نراه (حول النقاب) هو أسوأ أنواع التعصب الديني وأكثرها إثارةً للخجل؛ حيث إن التعبيرات التي تمَّ استخدامها في النقاش حول النقاب من نوعية "غريب" أو "مرعب" أو "غير معتاد" أو "مُعادٍ" أو "مثير للقشعريرة" أو "خطأ" أو "شيطاني المظهر" أو "شرير" هي تعبيرات لا يمكن أن يستخدمها مجتمع متحضر في حديثه عن البشر.

 

يمكن للمرء أن يشعر بعدم الراحة من كل شيء، فعلى سبيل المثال أنا أجد الرجال ذوي الوشم حليقي الرؤوس أمرًا مثيرًا للاشمئزاز وبخاصةً عندما يكونون سكارى، وذات مرة توجهتُ مع زوجي السابق لاستئجار منزل في أحد أحياء اليهود الأرثوذكس بلندن وكنا وقتها الوحيدين من غير الأرثوذكس في الحي، وبينما نسير لاحظتُ مجموعةً من اليهود الحريديم يدورون حولنا في مسارٍ غريب، فقال سمسار العقارات "إنهم يتحاشون أن يطأوا ظلنا لأننا لسنا أطهارًا" وقتها لم أُفكِّر كثيرًا في الأمر.

 

لكن علينا جميعًا أن نعيش معًا في سلامٍ، وبصفةٍ عامةٍ فأنا أرى الأرثوذكسية التي ترتدي زيًّا كئيبًا وتضع شعرًا مستعارًا قبيحةَ الشكل "غريبة"، بل هي أكثر "غرابةً" من المرأةِ التي تُغطي كل جسدها عدا عينيها، لكنني في ذات الوقتِ لا أطلب من الناس الذين أجدهم غرباء المظهر ألا يروني أنا نفسي غريبة المظهر بالنسبة لهم، كما أنني لا أملأ نفسي حقدًا وكراهيةً تجاه مَن أراهم غرباء المظهر ولا أصفهم بكل ما هو قبيح؛ استنادًا إلى مظهرهم فقط، فعلى سبيل المثال هناك الكثيرون ممن يُضايقهم مظهر المعاقين إلا أنهم لا يُعبِّرون عن هذا الضيق؛ لأنهم في مجتمعٍ متحضر، عمومًا أنا أعتذر عن مقارنة الإسلام بالإعاقةِ لكنني أفعل ذلك لأن المفاهيم الدينية عند الشخص المتدين تعتبر جزءًا لصيقًا منه مثل أعضائه.

 

لنتخيل أن سترو قال "إنني أجد مجموعةً من الأفراد غريبي المظهر في دائرتي الانتخابية وأنا أطلب منهم أن يلاقوني وجهًا لوجه وإلا فإنني سأكون غير قادرٍ على خدمتهم" وقتها هل كانت هذه الضجة ستحدث؟

 

النساء المقهورات كثيرات وربما تعيش واحدة منهن في الشارع الذي تعيش فيه وقد تكون مسلمة ترتدي النقاب أو سيدة بيضاء يضربها زوجها، ربما تُغطي جسدها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها أو ترتدي مثل أمينات المكتبة أم تكون مغرمة بالملابس القصيرة، ربما تكون أمك أو أختك أو حتى أنت وذلك بعيدًا عما ترتديه أو تعتقده أو المكان الذي جئت أنت منه، وهذه هي النقطة الرئيسية، فالتعساء يأتون على كل الألوان والأحجام والأشكال لذا فإنه من العبث أن نحول أنفسنا فجأةً إلى حُماةٍ للأخلاق ونصرخ مُصدرين أحكامًا نهائيةً بأن قطعةً من القماش هي دليلٌ على العيش في تعاسةٍ وتحت وطأةِ القهر، كذلك يأتي السعداء على كل الأشكال أيضًا.

 

قد تبدو فكرة أن الرجال يخرجون إلى الحياة بينما النساء "يعملن" في المطبخ غريبة بالنسبة لغير المسلمين إلا أنها ليست بتلك الغرابة التي يظنونها، فغير المسلمين قد يفعلون ذلك عندما يخرجون للتنزه مع أصدقائهم، كما أنني أذكر الكثير من الحفلات المرحة التي شارك فيها العديد من النساء المسلمات وأكلوا وضحكوا ومرحوا معًا دون أن تبدو عليهم علامات القهر بأي شكلٍ من الأشكال.

 

خبرتي بأسلوب حياة المسلمين تجعلني لا أراها تلك الحياة الكابوسية التي يسيطر عليها الذكور كما يُشاع، فالنساء المسلمات فاعلات ومتحدثات ويخفين تحت قفازاتهن المخملية صلابة الحديد، لكنني أريد أن أوضِّح نقطةً معينةً وهي أنني لا أقول إنَّ كل النساء المسلمات يعشن حياةً هانئةً لكن من منا يعيش حياةً هانئةً؟

 

شخصيًّا شعرتُ بالإساءةِ من تصريحات سترو، فالنساء اللواتي وصفهن هن من الجيل الأول للمهاجرين أي إنهن من الطبقات الفقيرة الكادحة التي تحاول أن تكسب ما يعينها على نفقاتِ المعيشة، كما أنني أشعر بالاندهاش من أن أحدًا من جيش الأشخاص الذين تحولوا فجأةً إلى خبراء لم يشر إلى حقيقة أن النساء المسلمات اللواتي يرتدين النقاب قد فعلن ذلك؛ لأنهن يعشن في مجتمعات تدفعهن لذلك، حقيقة على سترو- ومَن يؤديه- أن يشعروا بالخجل من تصريحاتهم تلك.