باريس- وكالات الأنباء
ردت مجموعة من علماء الدين المسلمين على الأخطاء التي وقع فيها بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر في محاضرته التي ألقاها في إحدى الجامعات الألمانية في مطلع شهر سبتمبر الماضي والتي تضمنت العديد من الإساءات إلى الدين الإسلامي وإلى الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم).
وقال هؤلاء العلماء- في رسالة نشرتها مجلة (إسلاميكا) في عددها الأخير- إنَّ بابا الفاتيكان ادَّعى في محاضرته التي ألقاها في ألمانيا أنَّ الآيات التي دعت المسلمين إلى عدم إجبار غير المسلمين على اتباع الدين الإسلامي نزلت في وقت كان فيه الرسول عليه الصلاة والسلام "ضعيفًا سياسيًّا" بحسب زعمه.
وأكَّد العلماء أنَّ تلك الآيات قد نزلت على الرسول- صلى الله عليه وسلم- في المدينة المنورة، أي أنَّها قد نَزَلَتْ بعد انتهاء فترة الاستضعاف والحصار التي مرَّت بها دعوة الإسلام في بداية البعثة النبوية الشريفة، كما أنَّها جاءت لتمنع الذين اهتدَوا إلى الإسلام من إجبار أولادهم على ترك المسيحية أو اليهودية واعتناق الإسلام.
كما انتقدت الرسالة- التي نشرتها هذه المجلة الدولية المتخصصة في الشئون الإسلامية والتي تصدر كل 3 أشهر- تفسير بابا الفاتيكان لمفهوم الجهاد في الدين الإسلامي على أنَّه بالقوة فقط؛ حيث أكَّد العلماء المسلمون في رسالتهم أنَّ الجهاد يعني الكفاح في سبيل الله تعالى بكل الوسائل دون الاقتصار على القوة فقط.
كذلك أشار العلماء المسلمون إلى أنَّ البابا قد أخطأ عندما زعم أنَّ العنف ضد الطبيعة الإلهية؛ حيث لجأ إليه نبي الله عيسى عليه السلام لإبعاد الصيارفة عن المعبد في مدينة القدس الشريف، وأوضحوا في رسالتهم أنَّ البابا كان من الأفضل له أنْ يقول إنَّ القسوة والوحشية والاعتداء تتعارض مع إرادة الله تعالى، مُضيفين أنَّ المفهوم الإسلامي للجهاد يُدين هذه الأشياء أيضًا.
وفي رسالتهم دحض العلماء المسلمون افتراءات البابا حول ما وصفه زورًا وبهتانًا بـ"لا عقلانية الإسلام، واستناده على العنف والانتشار بالقوة"، وأوضحوا في هذا الصدد أنَّ الرسول الكريم- عليه الصلاة والسلام- لو كان قد أراد تحويل جميع الناس عن ديانتهم بالقوة "ما بقيت كنيسة أو معبد يهودي في العالم الإسلامي".
كما انتقدوا أيضًا استناد البابا بينديكت في وجهات نظره عن الإسلام إلى كتب لاثنين من الكُتَّاب الكاثوليك، مُشَدِّدِين على أنَّ المسيحيين والمسلمين يجب أنْ يأخذوا بعين الاعتبار "الآراء الحقيقية لمن يتحاورون معهم وليس فقط آراء من ينتمون إليهم".
ونقلت وكالة (رويترز) للأنباء عن مدير تحرير مجلة (إسلاميكا) محمد خان قوله إنَّ نسخةً من الرسالة سوف يتمُّ تسليمها إلى سفير الفاتيكان في العاصمة الأردنية عمَّان اليوم الأحد 15/10/2006م؛ حيثُ يُوجد مكتب للمجلة هناك.
وعلماء الدين المسلمون الذين صاغوا الرسالة هم 38 عالمًا، ومنهم مُفتون وفقهاء من مصر وسلطنة عُمان وأوزبكستان وتركيا وروسيا والبوسنة وكرواتيا وكوسوفو، وبجانب عالم دين شيعي والأمير الأردني غازي بن محمد بن طلال، وأكاديميون وعلماء آخرون مُقيمون في بعض البلدان الغربية، وقالوا في الرسالة: إنَّهم يقبلون أسف البابا للضجَّة التي أحدثتها تصريحاته، وأيضًا ما عبَّر عنه من احترام لكل المسلمين.
وكان بابا الفاتيكان قد أساء إلى الدين الإسلامي والرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، في محاضرةٍ ألقاها في ألمانيا مطلع سبتمبر الماضي عندما زعم أنَّ فكرة الإسلام عن الذات الإلهية "غير عقلانية"، كما اقتبس آراءً للإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني التي ادَّعى فيها أنَّ الإسلام قد انتشر بحد السيف، وأنَّه "أتى بكل شيء سيئ في العالم" وذلك دون أنْ ينفي البابا تبنِّيه آراء الإمبراطور.
وقد أدَّت تلك التصريحات إلى موجةٍ من السخط في العالم الإسلامي وأدانتها العديد من القوى الإسلامية، ومن بينها الإخوان المسلمون في مصر وخارجها، الأمر الذي أدَّى إلى اعتذار من البابا عن تلك الإساءات، إلا أنَّ البعض رأى أنَّ الاعتذار لم يكن كاملاً.
ولم تكن تلك الإساءات جديدةً على البابا؛ حيث كان سبق أنْ صرَّح قبل توليه كرسي البابوية أنَّ انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يُعتبر تهديدًا لما سماه "هوية أوروبا المسيحية".