بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل
نقد السلطة في أحوال وجود المسئول في منصبه لا يزال قاصرًا على النظم الديمقراطية في الغرب وفي الكيان الصهيوني، بل إن وزراء الحزب الواحد الذي يشكّل في النظم البرلمانية يمكنهم ليس فقط نقد قرارات الحكومة، بما في ذلك رئيس الحكومة، وإنما يمكنهم أيضًا الاستقالة من مناصبهم؛ احتجاجًا على استمرار هذه القرارات أو المواقف وعجزهم من خلال النقد عن تغيير خط حكومتهم.
والمثل الأكبر في السنوات الأخيرة لهذه الظاهرة تمثَّل في استقالة وزير الخارجية البريطاني وكذلك وزيرة التنمية ووزير الداخلية؛ احتجاجًا على التدخل العسكري البريطاني في العراق منذ عام 2003، وهو خطٌّ أدى إلى القضاء على المستقبل السياسي لرئيس الوزراء توني بلير، كما أدى إلى إضعاف حزب العمال في الداخل وأمام الناخبين.
أما في الولايات المتحدة فقد استقال عدد من كبار الموظَّفين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، وأبرزهم كولن باول وزير الخارجية، بل ونقده الحادّ لنفسه ومسايرته لخطِّ الإدارة عن طريق الكذب، والاستخدام المغلوط للتقارير الخاصة بالتسلح العراقي، والذي استخدمه بوش ذريعةً لغزو العراق، ثم استمرار معارضة كولن باول لسياسات بوش في العراق بعد ذلك.. يعكس أيضًا عدم رضا بوش الأب عن سياسات بوش الابن وحماقتها وسيطرة اليمين المحافظ في البيت الأبيض ووزارة الدفاع.
ومن الواضح أن المسئولين في الغرب يمكنهم نقد السلطة وهم أطراف فيها؛ لأن نظامهم الحزبي يسمح بذلك، ويبدو أن العالم العربي بدأت تزحف إليه ظاهرةُ نقد المسئولين السابقين للسلطة، سواءٌ تلك التي شاركوا فيها أو النظم التي أعقبت عملهم في السلطة.
ولعل أبرز المنتقدين الآن هو أحمد زكي يماني الذي كان وزير البترول في عهد الملك فيصل، والذي عاصر الطفرة الأولى في أسعار البترول في أعقاب حرب 1973 والحظر العربي على البترول، واستفاد الرجل قطعًا من علاقته السلطوية في هذا الموقع استفادةً سياسيةً وماديةً جعلته الآن من كبار أثرياء العالم العربي.
ولا شكَّ أن ظهوره الآن على المسرح السياسي مطالِبًا بأن يتنفس الشعب السعودي الهواء الطلق وأنه من طلاب الإصلاح وليس من معارضي النظام.. يُثير الحرج لنظام الحكم في السعودية، رغم أن السلطة تقلل من شأن مثل هذه الاتجاهات، بل لا بد أن ظهوره بهذه الرسالة على شاشات قناة (الجزيرة)- التي لا ترتاح السعودية لبعض موادها الموجَّهة إليها- ضاعف من الشعور بالحرج.. لقد ترك اليماني السلطة بعد اغتيال الملك فيصل عام 1975 فلماذا عاد إلى الحياة العامة بهذه الرسالة المحرجة بعد 30 عامًا؟!
لا يُتصور مطلقًا أنه يريد العودة إلى السلطة مرةً أخرى، كما لا يُتصور قطعًا أنه مدسوسٌ من بريطانيا التي يقيم فيها ضد بلاده رغم تاريخ بريطانيا الحافل في استضافة المعارضين لنظام الحكم في مصر والسعودية وليبيا، لأسباب أقلها بالتأكيد أنها تفسح الباب لطلاب حرية التعبير، فهل شعر الرجل أنه يجب أن يساهم في حركة الإصلاح وحرية التعبير، خاصةً أنه يرى أن قسط الحرية في مجال التعبير قد انحسر عما قبل، رغم أن المراقب العادي يلحظ اتساع نطاق الحريات الفردية في السعودية؟!
الدكتور عزيز صدقي

ففي مصر مثلاً بادر الدكتور عزيز صدقي- رئيس الوزراء الأسبق- بالتصدي لنقد نظام الرئيس مبارك، وبرَّر ذلك بأنه اضطُّرَّ إلى النقد العلني بعد أن اتسع نطاق الدمار ولم تُجدِ النصائح الودية، بعد أن أبدى النظام إصرارًا على البقاء بنفس السياسات والممارسات.
ويرى البعض أن الرجلين اليماني وصدقي- وهما متقدمان في السن- ربما دبَّ فيهما الحنين إلى الأضواء، أو ربما أحسَّا ف