ياسر الزعاترة

 

قلنا ونقول دائمًا إنَّ مصرَ هي الداء والدواء، فحين تتراجع يتراجع الوضع العربي برمته، ومن دونها لا تتماسك المواقف العربية، وحين نراقب المشهد هذه الأيام نجد أننا إزاء وضع بالغ السوء لا نعرف إلى متى يستمر.

 

المصيبة أن ذلك يحدث في ظل صعودٍ لتيار المقاومة في الأمة، وتماسك معقول لجبهة الممانعة، في مقابل تعمق أزمات الطرف الآخر الذي يستهدفنا كأمةٍ، أعني التحالف الأمريكي الصهيوني، ما يعني أنه لو تماسك الوضع العربي الرسمي في ظل القيادة المصرية لكانت فرصة حقيقية لفرض وقائع جديدة في السياسة الإقليمية، وفي سياق العلاقة مع الطرف الآخر.

 

ثمة أكثر من تفسير لهذا التراجع في الموقف المصري، لكن التفسير الأكثر رواجًا هو القائل بأن ما يجري جزءٌ من استحقاق التوريث الذي تدفعه مصر برمتها؛ شعبًا ومصالح قومية، ربما قناعةً من أهل الحكم بأنه دون دعمٍ أمريكيٍّ لمسارِ التوريث فإن تمريره سيكون صعبًا في ظل رفضٍ شعبيٍّ عارمٍ له، ولا شك أنَّ الزيارة السرية لجمال مبارك إلى الولايات المتحدة كانت تأكيدًا على هذه الوجهة في السياسة المصرية، مع العلم أن جميع المبررات التي سيقت من أجل إقناع الناس بأسباب الزيارة لم تزد الناس إلا إيمانًا بعلاقتها بمسألة التوريث.

 

لكن أهل الحكم لا يعترفون بذلك، فهم ابتداءً لا يرون أن ثمةَ تراجعٍ ولا يحزنون، وأن ما يجري هو الذكاء الدبلوماسي الذي يحافظ على مصالح مصر وشعبها قبل أي شيء، وقد حاول الرئيس المصري دائمًا اللعب على هذا الوتر القطري في سياق تبريره للكثير من المواقف، لا سيما أثناء التصعيد في الساحة الفلسطينية، وبعد ذلك في سياق الحرب اللبنانية، حيث ردد مرارًا أن مصر لن تخوض حربًا دفاعًا عن أحد أو من أجل أحد، وكأنَّ دفاع الدول عن محيطها الحيوي نوع من العبث أو المغامرة بمصالح الداخل.

 

لكنك لو طالبت أهل الحكم أولئك بالمزيد من التفسير بعد سرد الكثير من الشواهد على التراجع في المواقف السياسية المؤثرة على المصالح القومية؛ من السودان (دارفور) وقبل ذلك السودان (الجنوب) المهدد بالانفصال الذي يجعل الشريان المائي لمصر بيد أعداء لها مقربين من الدوائر الصهيونية، إلى فلسطين، لا سيما قطاع غزة، إلى لبنان والعراق وكلاهما محطات أمريكية صهيونية باتجاه إعادة تشكيل المنطقة ووضعها تحت إمرة الدولة العبرية، لو سألتهم عن ذلك كله فسيردون بوضع العقدة الإيرانية في المنشار، أي أنهم سيفسرون ما يفعلون بتصاعد التحدي الإيراني في المنطقة، والذي لا يتمثل فقط في حزب الله اللبناني، بل يشمل أيضًا حماس والجهاد في فلسطين، فضلاً عن القوى الشيعية العراقية إلى جانب سوريا؛ ولك أن تضيف إلى جانب ذلك الملف النووي الإيراني من أجل استقطاب الدعم الخليجي.

 

هناك بالطبع التفسيرات التي تتبنى الواقعية السياسية على اعتبار أنه ليس من مصلحة مصر استفزاز الولايات المتحدة في هذه اللحظة التي تبدو فيها القيادة الأمريكية في وضعٍ بالغِ الحرج، إلى جانب كونها في وضع بالغ الخضوع للهواجس الصهيونية، وهو تفسير لا يخلو من المنطق؛ لأن الإدارة الأمريكية مستفزة بالفعل، وهي خاضعة لنفوذ الصهاينة وهواجسهم، لكن هذا الطرح لا زال في المقابل يتجاهل الجانب الآخر المتعلق بالورطات الكثيرة التي تعاني منها واشنطن وتجعلها عاجزةً عن مطاردة أي أحد، والنتيجة هي قدرة الأطراف الأخرى على تحديها، لا سيما تلك التي لا تدخل في أهدافها السريعة القادمة كما هو حال مصر.

 

إن من لا يرى ضعف الولايات المتحدة السياسي في ورطتها في العراق وأفغانستان لا يعرف السياسة، وحين ويواصل الرئيس الفنزويلي شافيز استفزازه لجورج بوش فهو لا يفعل ذلك؛ لأنه مغامر فقط؛ بل لأنه يرى وضع خصمه. ينسحب ذلك على دولة صغيرة مثل قطر أخذت في الآونة الأخيرة مواقف قوية من ملفات حيوية كما هو حال الملف اللبناني.

 

يضعنا كل ذلك أم