بقلم: الدكتور جابر قميحة
أصبح لبوش والولايات المتحدة, حزب في مصر والبلاد العربية يمكن أن نطلق عليه حزب (البوشيين العرب)، وهذا الحزب يعد- في نظري- تطويرًا فنيًّا لحزب "التطبيعيين" الذين عاشوا وشغلهم الشاغل الدعوة والعمل الدائم على تطبيعِ العلاقاتِ مع إسرئيل.
والبوشيون العرب- ومنهم حكام وكتاب وساسة ورجال أعمال- لم يعودوا يكتفون بالدعوة إلى الوقوف بجانب الولايات المتحدة في "محنتها" و"رسالتها", والعمل علي ضربِ الإرهابيين في كل مكان, ولكنهم بدءوا يصرخون- بوجوه كالحة لا تعرف الحياء- بضرورة الدخول في الحلف الأمريكي, أي تحت عباءته, وسقف خيمته, حرصًا على المصالح العربية والوطنية, بل حرصًا على الوجود العربي ذاته كما يعتقدون, وذلك بعد أن أعلن "الأمبراطور الكوني" بوش: "مَن ليس معنا, فهو علينا" أي لا وسطية... أي: إما أبيض, وإما أسود, ولا مكانَ "للرمادي" بأية حال، وعلى سبيل الفرض والتمثيل: لو أنَّ دولةً أعلنت أنها ستساعد الولايات المتحدة في ضربِ الإرهاب بصدق وأمانة انطلاقًا من المصالحِ الوطنية, مع احتفاظِ الدولة باستقلالها في اتخاذِ القرار, واختيار الأسلوب المناسب لمحاربةِ الإرهاب.. لو حدث ذلك لكان- من وجهة النظر الأمريكية- مرفوضًا.. مرفوضًا بشدة, أي لا بد من الدخول صراحةً في "الحلف البوشي", وطبعًا سيكون في الحلف تابع ومتبوع, وآمر ومأمور, وسيد ومسود.
وواضح أن الأمبراطور الكوني بوش سيكون هو السيد الآمر المتبوع, أما التابعون المسودون المأمورون, الصادعون بما يُأمرون فالدول الأعضاء في الحلف البوشي, وخصوصًا دول العالم الثالث, فلو أنَّ الإمبراطور بوش- أو أحد مساعديه المختصين- أصدر أمرًا بالقبض على المواطن المصري "زعبلاوي مؤنس المفتخر" وتسليمه للولاياتِ المتحدة خلال أسبوع من إصدار الأمر لشبهة اشتراكه في التخطيط للضربات التي نزلت بالولايات المتحدة لكان على المسئولين تنفيذ الأمر, ولا حق لهم في طلب أدلة تدين المواطن "ز.م. المفتخر"؛ لأن مثل هذا الطلب يُعدُّ تمردًّا على "الإمبراطور الكوني" من ناحية, وعلى الحلف المقدس من ناحية أخرى.
ولكن دعك من هذا الآن، لنقف أمام ما هو أدهي وأمرّ, وأعني به توظيف الدين والسيرة النبوية لتبريرِ الدخول في "الحلف البوشي"، فالمسلم العاقل يُصاب بالغثيان حينما يرى "مسلمًا"- المفروض أنه عالم- يزعم أن الإسلام لا يمانع في محالفة غير المسلمين (والمقصود هنا الحلف البوشي)؛ إذا كانت المصلحة في ذلك، فالرسول- صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة اشترك في حلف الفضول الذي عقدته جماعة من قريش- وهم وثنيون- بهدف نصرة المظلومين، كما أنه أثنى على الحلف بعد أن بعث نبيًّا ورسولاً.
وهذا الإيجاز قد يكون مخلاًّ، لأنه يوقع المسلم في اللبس والخطأ والحرج, لذا أجد من اللازم أن نقف وقفة بصيرة أمام هذه الواقعة التاريخية لنري إن كان الاستشهاد بها لتبرير الاشتراك في الحلف البوشي صحيحاً سديداً, أو ساقطًا ذميمًا.
كان حلف الفضول قبل البعثة بعشرين عامًا, ويقال في سببه: أن رجلاً يمنيًا من زبيد قدم مكة ببضاعةٍ اشتراها منه "العاص بن وائل" وهو واحد من أغنى وأشرف رجال مكة, ولم يدفع للرجل ثمن بضاعته, وأخذ يماطل ويمتنع, فاستعدى عليه كبارًا من قريش, فرفضوا أن يعينوه ونهروه, وذلك لمكانة "العاص" فيهم. فوقف الرجل على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة, وبأعلى صوته ألقى شعرًا يعرض فيه قضيته، فقام الزبير بن عبدالمطلب ورجال من هاشم وزهرة وتيم لمناصرةِ الرجل الغريب واجتمعوا في دار عبدالله بن جدعان فتعاقدوا وتعاهدوا- كما يروى ابن إسحاق- على ألا يجدوا بمكةَ مظلومًا من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا وقفوا بجانبه, وكانوا على مَن ظلمه حتى تُردَّ عليه مظلمته، وسُمِّي الحلف حلف الفضول (والفضول جمع فضل, وفضيلة أي الدرجة العليا من الإحسان)، وقد حضره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسنه عشرون أي قبل بعثته بعشرين عامًا، وبعد بعثته قال: "لقد شهدتُ في دار عبدالله بن جُدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمرَ النَّعَم, ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت".
ومن هذا العرض تتضح حقيقة هذا الحلف، والهدف الذي دعا إلى إنشائه, وتتضح كذلك الفروق الهائلة بينه وبين الحلف البوشي:
1- فحلف الفضول قام على أساس واضح متين لتحقيق هدف إنساني محدد هو مناصرة المظلوم على ظالمه حتى يأخذ حقه منه.
أما الحلف البوشي فغير محدد الأساس, وهدفه- كما أعلن عنه- ذو مفهوم هلامي منفوش. فإذا قيل: إنَّ هدفه القضاء على الإرهاب, وجدنا أنَّ هذا التحديد يفقد الطابع الإنساني؛ لأنه لا يصدق على الإرهاب الموجه إلى المسلمين والفلسطينيين, بل إنه يخل بالمفاهيمِ السوية فيجعل من المقاومةِ والجهادِ لتحقيقِ الحرية وتحرير الأرض من غاصبيها إرهابًا يجب أن يضرب ويقضي عليه.
2- كان لحلف الفضول هدف أو وجه واحد واضح وهو الحرص العملي على "إقامة العدالة" والقضاء على الظلم, أما الحلف البوشي فثبت أنَّ له وجوهًا ثلاثة هي:
وجه ظاهر: يتمثل في مقاومة الإرهاب وضربه.
ووجهان خفيان باطنيان: أولهما: فرض السيطرة الأمريكية الكاملة على شعوبِ العالم وحكوماته سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا.
وثانيهما ضرب الإسلام, وكل المؤسسات والجماعات الإسلامية حتى المعتدلة منها, وقد كان بوش صادقاً حينما وصف الحرب القادمة بأنها "حرب صليبية جديدة".. نعم كان صادقًا في هذه المقولة- وهو الكذوب- وإن تراجع بعد ذلك عن تصريحه هذا بعد أن نبهه رجاله إلى أنَّ هذا التصريح فيه خدشٌ لشعور المسلمين, وإثارة لقواهم الكامنة, وإحراج لحكامهم أمام شعوبهم، ثم عاد وتحدَّث عن إصراره على ضرب "الفاشية الإسلامية".
كما قرأنا الهجوم الخسيس الذي هاجم فيه رئيس الوزراء الإيطالي الإسلام والمسلمين والفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية، وظهرت بعدها الرسوم الدنماركية التي تتهكم على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم كانت الجريمة القذرة التي ارتكبها بابا الفاتيكان النازي الصهيوني.
3- قام حلف الفضول على مبدأ الحرية, فلم يجُبر عاقدوه الآخرين على الاشتراكِ فيه، أما الحلف البوشي فهو "إجباري".. وإلا.. فهو يعتمد على مبدأ "مَن لم يشترك في الحلفِ كان ضد الحلف, ومَن كان على الحياد, أو ساعدنا من بعيد فهو علينا".
4- نشأ حلف فضول كرد فعل "لظلم داخلي" وقع من ظالمٍ من زعماءِ مكة على "مظلوم خارجي" أي غريبٍ مستضعف، أما الحلف البوشي فجاء رد فعل "لكارثة داخلية"- ما زال فاعلها مجهولاً, ونتج عنها قيام "الإمبراطور" بالتلطيشِ العشوائي, والاتهام بالشبهة للمسلمين في الداخل والخارج.
5- كان حلف الفضول "عادلاً" إذْ جعل الجزاء من جنسِ العمل دون إسرافٍ وشطط, فلم يتجاوز "رد الظلم عن المظلوم, وأخذ الحق لصاحبه".
أما الحلف البوشي فآليته حرب مسعورة جائحة ضد جماعات وقيم, وحكومات وشعوب عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وعقديًّا, ومن تصريحاتِ بوش أنها ستكون حربًا هجوميةً منهجية ستستغرق وقتًا طويلاً, وستكون أوسع نطاقًا مما يتصور الآخرون".
6- كان حلف الفضول "حلفا محليًّا" لا يستفيد منه إلا من ظُلم بمكة- أرض الحرم- يستوي في ذلك أهلها ومن دخلها من سائر الناس.
أما الحلف البوشي فيصر الإمبراطور بوش وحواريوه على أن يستغرق الكرةَ الأرضية كلها.
فهل يحق لمسلم- من المفروضِ أنه عالم- أن يُجيز اشتراك الحكومات المسلمة في "الحلف البوشي" قياسًا على حضورِ النبي- صلى الله عليه وسلم- حلف الفضول في دارِ عبدالله بن جدعان قبل أن يبعث بعشرين عامًا, وثنائه على الحلف وهو نبي, بعد أن رأينا الفروق الهائلة بين هذا الحلف الجاهلي النبيل والحلف البوشي العدواني الوبيل"?
وأخيرًا أقول لعالم السلطة: رحم الله من سُئل: مَن السِّفلة فقال: "هم الذين يأكلون بدينهم".
--------------
*komeha@menanet.net