يمثِّل رد الفعل العربي على اغتيال عماد مغنية في دمشق علامةً فارقةً على ما وصل إليه خلط الأوراق واضطراب البوصلة العربية؛ فقد كان العالم العربي ينظر بالإعجاب لكل الغرباء الذين يناصرون القضية العربية وينخرطون في عمليات ضد "إسرائيل" من صفوف المنظَّمات الألمانية واليابانية والإيطالية، والتي كانت تنتمي سياسيًّا إلى اليسار العالمي.

 

من ناحيةٍ أخرى ظلَّ العَداء لـ"إسرائيل" ولو نظريًّا أساسًا سياسيًّا واضحًا للنظم السياسية العربية، ولم يدرك الرئيس السادات الآثار اللا متناهية التي أحدثها بكسر هذا الحاجز؛ بحيث أصبح عدم العداء لـ"إسرائيل" ثم الحياد إزاءها وأخيرًا الميل إليها- خوفًا أو طمعًا- أمرًا عاديًّا.

 

وقد نظرت الدول العربية إلى "إسرائيل" منذ ذلك الوقت باعتبارها دولةً عاديةً, وبعد أن أصبحت من المسلَّمات السياسية في المنطقة وجودًا ونفوذًا، ثم جاء غزو العراق للكويت وتقدُّم واشنطن لتحرير الكويت ليقضيَ على الصلة القائمة بين مصادر الخطر والاتجاه القومي، بعد أن تم الغزو تحت شعارات قومية, فلعب السادات وصدَّام وإيران و"إسرائيل" والولايات المتحدة أدوارًا مهمةً في القضاء على الاتجاه أو الشعور القومي؛ بحيث أصبح التعامل مع "إسرائيل" أمرًا عاديًّا بل مرغوبًا فيه أحيانًا منذ أن أعلنت واشنطن أن رضاءها يمر عبر إرضاء "إسرائيل".

 

ترتَّب على ذلك كله عدد كبير من النتائج الخطيرة؛ أولها أن قتل "إسرائيل" للفلسطينيين لا يزعج الساسة العرب, بعد أن سلَّموا ضمنًا أو قهرًا بأن تصرُّفات الفلسطينيين و"الإسرائيليين" هي عنف متبادَل لا يجوز التدخُّل فيه إلا بالقدر الذي يدعو لوقف هذا العنف المتبادل؛ فانفردت "إسرائيل" بالفلسطينيين لتحقيق بقية أهدافها, بينما ظلَّت النظم العربية كتلةً محايدةً في هذا الصراع وفي الوقت الذي تعجز فيه الشعوب عن نصرة المقاومة العربية، مع سعي أمريكي و"إسرائيلي" حثيث لتشويه صورة هذه المقاومة.

 

وفي عام 2006 شنَّت "إسرائيل" عدوانًا مبيَّتًا على لبنان هدفه الأساسي إشعار اللبنانيين بفداحة تحملهم لحزب الله؛ حتى يقرِّروا في النهاية لَجْم الحزب إزاء "إسرائيل" وترتيب الأوضاع إزاءها على نحو ما فعلته أكبر دولة عربية وهي مصر.

 

ومن شأن ذلك أن يُرغم سوريا على القيام بالمثل, وأن يضرَّ بجذور أمنها القومي التي تبدأ في لبنان، والمعلوم أنه منذ اللحظات الأولى للعدوان "الإسرائيلي" على لبنان تحفَّظت البيئة الرسمية العربية على الحزب وتصرفاته لصالح "إسرائيل" واتهمته بالعدوان على "إسرائيل", كما شاركت في التغطية الدبلوماسية العالمية الواسعة على العدوان؛ أملاً في أن يحقق أهدافه، ولا شك أن "إسرائيل" تمكَّنت بالقرار 1701 أن تُواصل العدوان، وأن تنقل المعركة بينها وبين حزب الله عسكريًّا إلى معركة بين حزب الله وبيئته اللبنانية, في الوقت الذي تمكَّنت من إشهاره منظمةً إرهابيةً في أوروبا والولايات المتحدة، وربما في العالم العربي أيضًا, مع إيماءةٍ إلى أنه امتداد لإيران وأنه يحارب معركتها, ويورِّط لبنان فيما لا تريده ولا تقدر عليه، وأنه بذلك يحقِّق نصرًا للشيعة وليس للبنان، ثم إنه نصر للشيعة في المنطقة وليس للعالم العربي.

 

زاد من تفاقم هذه الصورة المقاطعة الرسمية الصامتة لسوريا بسبب تحالفها مع إيران والحزب، ورغبة عربية رسمية في أن تقف سوريا معهم كأصدقاء لـ"إسرائيل" والولايات المتحدة تحت مسمَّى معسكر الاعتدال والسلام في مواجهة معسكر التطرف والإرهاب.

 

هذا المناخ سمح لآلاف الشباب على الأقل في العالم العربي أن تختلط لديهم الرؤية؛ فلم تعد "إسرائيل" هي العدوّ، وإنما العدوّ هو التطرف ذو الطابع الإسلامي الذي خلط بين السياسة والدين, وأن الأمة العربية توظَّف لخدمة مشروع إيراني يعادي مشروعًا أمريكيًّا, ولا علاقةَ للأمة بهذا الصراع.

 

وكانت أولى نتائج ذلك هو أنَّ توحُّش "إسرائيل" لا يزعج هؤلاء الشباب, وهم لا يعرفون سوى القدس عاصمةً لـ"إسرائيل"، فأصبح العدوُّ الغاصب محبوبًا بعد أن نزع عن نفسه هذه الصورة البشعة وأصبح المدافع عن أرضه هو الكريه!!.

 

وفي هذا المناخ اغتيل عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله، وكانت "إسرائيل" هي المصدر الأسبق للمعلومات، فقدَّمته على أنه إرهابي، كما أعلنت واشنطن و"إسرائيل" فرحتهما الفائقة لقتله، وهنَّأ بعضهم بعضًا على أساس أنه عدوُّهما المشترك الذي أعيتهما حِيَلُ الإفلات من مؤامراتهما ضده.

 

وكان رد الفعل في العالم العربي سريعًا ويدعو للدراسة والتأمُّل، بعد أن لاحظ العالم العربي أولاً رد الفعل داخل لبنان، وفي لبنان توقَّعنا أن يكون تشييع جنازة مغنية في نفس يوم إحياء الذكرى الثالثة لاغتيال الحريري مناسبةً لاعتبار الاثنين شهيدَي الأمة, خاصةً أن الاعتقاد واسع بأنهما سقطا بنيران واحدة تستهدف الشعب اللبناني، ولكن تبيَّن أن اغتيال مغنية حدث في وقتٍ كانت سفن الفرقاء في لبنان قد أبحرت إلى موانئ بعيدة متناقضة.

 

ورغم ذلك كله حرص الطرفان على تقديم واجب التعازي الرسمي كلٌّ للآخر، ولكن الشعور الواضح لدى قوى 14 آذار هو الشماتة في مغنية وفي الحزب, حتى إن وليد جمبلاط قد تجاوز حدود المشاعر الإنسانية عندما اتهم الحزب نفسه بقتله بدلاً من تقديم العزاء فيه.

 

توقَّعت قوى 14 آذار أن يؤديَ اختفاء مغنية وانشغال الحزب في القصاص من "إسرائيل" إلى التهدئة في الداخل وأن يخفِّض سقف مواقفه، ولكن يبدو أن موقف 14 آذار دفع الحزب إلى التحدي على الجانبين إزاء الداخل وإزاء "إسرائيل" وقبوله الحربَ المفتوحةَ التي بدأتها بهذا الاغتيال، فبدأ هذا الداخل يلاحي في الحرب المفتوحة وكأنه يُلزم حزب الله بألا يتصرَّف ضد "إسرائيل" حتى لا يدفعها إلى محاربته في لبنان إلا بإجماع لبناني، وهذه خدمة كبرى لـ"إسرائيل".

 

أما في العالم العربي فقد كان الموقف غريبًا، فلم يقدِّم أي زعيم عربي العزاء لحزب الله؛ وسبب ذلك هو هذه الصورة التي قدَّمتها أمريكا و"إسرائيل" لمغنية والطابع الإرهابي الذي لصق به، وليس معقولاً أن يعزِّيَ العرب في من أعلنته واشنطن رسميًّا "إرهابيًّا" ارتاح العالم من شروره, رغم أن العرب يعلمون علمَ اليقين أن واشنطن لا تترك فرصةً تمر دون الإضرار بهم وإذلالهم, بل على العكس أصدر مجلس وزراء الكويت- بشكلٍ نادرٍ- بيانًا اعتبر فيه مغنية إرهابيًّا ونسب إليه عددًا من الأفعال ضد الكويت وأميرها، وحظر البيان العزاء أو تمجيد الفقيد؛ مما أدَّى إلى تداعيات خطيرة لدى الطائفة الشيعية والتيار القومي في الكويت.. هذه التداعيات يمكن أن تعمِّق الفاصل السني الشيعي على أساس الموقف من الفقيد.

 

إن ما قام به مغنية ضد "إسرائيل"- وهو الجزء الذي أكده حزب الله- لَيَدعو كلَّ عربي إلى الفخر، كما أن ما تقوم به "إسرائيل" ضد العالم العربي لكفيل بأن نمجِّد حتى الشيطان الذي يتصدَّى لها، وأن نضع واشنطن معها في نفس الخندق ما دامتا تتحالفان على الدماء العربية.

 

تحيةً لشهيد الأمة عماد مغنية، وعوَّضنا عن فقده خيرًا منه؛ فبمثله تنفض الأمة عنها رداء الذلة الذي ضربته الصهيونية بشكل ناعم على روحها الأبيَّة.