د. حلمي محمد القاعود

حوَّلوها إلى حربٍ صليبيةٍ استعماريةٍ رغم أنفنا، وأنف النخب الموالية لهم، الكارهة للإسلام في كل ما تقول وتكتب وتفعل!
بصريح العبارة لم يعد هناك مجال لغير الحرب الصليبية الاستعمارية التي تريد اقتلاع الإسلام وسحق المسلمين، سواء تسمت بالحرب على الإرهاب، أو نشر الديمقراطية، أو الدخول ضمن العالم الحر أو اللحاق بقطار العولمة!
صليبية لا تنتمي إلى المسيح، ولا تؤمن بقيم النصرانية السمحاء، ولا تعرف من الأخلاق إلا الكذب والقتل واللصوصية والتعصب وإذلال الخصوم- أي المسلمين!
وتصريحات رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا بنديكيت السادس عشر، لا تخرج عن هذا الإطار، وليس كلامه مجرد اقتباس من كتاب قديم يحوي محاورة جرت بين نصراني ومسلم، رأى فيها النصراني الذي كان إمبراطورًا لألمانيا في زمن مضى أن الإسلام دين دموي، وأن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- لم يأتِ إلا بما هو سيء ومدمّر وغير إنساني!
ومعروف أن الاقتباس في البحث العلمي يُعبِّر ضمنًا عن رأى الباحث، ما لم يُعلق عليه بالرفض أو القبول أو التفنيد.
ولكن البابا اقتبس ووافق ضمنًا على الاقتباس، حيث لم يرفضه صراحةً، أو يقبل بعضه ويرفض البعض الآخر، فقد جاء به عقب اعتقاده الجازم القائل إنَّ الإسلامَ عقيدةٌ ترى أن مشيئة الله ليست مرتبطةً بأي من مقولاتنا وحتى العقل، ثم إنه- أي البابا- تحدَّث صراحةً قائلاً: مَن يريد إقناع الآخر بالإيمان عليه أن يتحدث وهو يُفكر بشكلٍ سليمٍ بدلاً من استخدام العنف والتهديد، وأضاف البابا: "إنَّ عدم العمل بالعقل مخالف لطبيعة الله"، وقال: "في المقابل بالنسبة للعقيدة الإسلامية الله مطلق السمو ومشيئته ليست مرتبطةً بأي من مقولاتنا ولا حتى العقل".
وقد أسند في حواره المنقول عن الإمبراطور عمانويل أنَّ الله ليس ملتزمًا حتى بكلمته ولا شيء يلزمه على كشفِ الحقيقة لنا.
والمفارقة أنَّ البابا لم يُطلق تصريحاته في الهواء الطلق، أو في مناسبةٍ عفوية، ولكنه أعلنها في محاضرةٍ مكتوبةٍ ومعدّ لها منذ فترة، وتمت مراجعتها أكثر من مرة، لأنها ستُلقى في جامعة أكاديمية، يُفترض أنها تحترم البحث العلمي وقواعده، وهي إحدى الجامعات الألمانية مقرها مسقط رأسه (جامعة ريجنسبرج).
واتهام المسلمين بأنهم لم يفهموا ما يقصده البابا بكلامه هو إساءة أخرى للمسلمين، ووصم لهم بالجهل والغباء، فكلام البابا في محاضرته واضح وضوح الشمس؛ إنه يرى المسلمين لا يؤمنون بالعقل، والإسلام ضد العقل، ومحمد- صلى الله عليه وسلم- وحاشاه- شرير، ولا ينتج إلا شرَّا، والجهاد دعوة للدم والعنف والقتل.
والغضب النبيل الذي شمل الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أدناها يستحق الاحترام والتقدير، لأن أمة تُدافع عن مقدساتها وقيمها وأخلاقها، وقبل ذلك عقيدتها هي أمة جديرة بالحياة، حتى لو خذلها حكامها وقادتها وتواطأوا مع الصليبيين الاستعماريين القتلة، ورضوا بالعار والدونية والذيلية.. وهو ما عبرت عنه ردود الفعل لدى الطرفين الأمة وحكامها، الأمة كانت أسرع استجابةً بعلمائها وزعمائها الشعبيين ومثقفيها الحقيقييين وأبنائها المخلصين الذين رفضوا إهانة البابا لدينهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم.
أما الحكام واتباعهم وخدامهم وأحذيتهم من الكتاب والمثقفين، فقد كانوا مائعين باهتين، وتجرَّأ بعضهم على تبرئةِ البابا كما فعل موقع إلكتروني في بلد إسلامي يقوم بدور خياني قبيح لحساب اليهود الغزاة والصليبيين المستعمرين.
أما بعض الزعماء الطائفيين، فقد كان موقفهم متسقًا مع ولاءاتهم للمستعمرين المت