بغداد- عواصم عربية وعالمية- وكالات الأنباء
أعلنت عدة أطراف عربية ودولية عن مخاوفها من احتمالات اندلاع حرب أهلية في العراق وتقسيم هذا البلد على خلفية تصاعُد أعمال العنف هناك وزيادة حِدَّة الخلافات حول مشروع قانون الفيدرالية الجديد الذي تقدَّمَ به الائتلافُ الشيعيُّ الموحَّدُ إلى البرلمان العراقي، وهو ما نفاه وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري ونائب رئيس الوزراء العراقي برهم صالح، فيما لقِيَ عشراتُ العراقيين مصرعَهم وأصيب عشراتٌ آخرون في أعمال عنفٍ طالت أنحاء مختلفة في البلاد، من بينها بلدة تل عفر الحدودية مع سوريا.
ونقلت وكالة (رويترز) للأنباء عن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان تصريحاتٍ قال فيها أمس الإثنين 18 سبتمبر 2006م: إنَّ "الخطر كبير أنْ ينحدر العراق إلى هاوية حرب أهلية" إذا استمرت الاتجاهات الحالية سياسيًّا وأمنيًّا في البلاد.
وكان عنان يتحدث في افتتاح مؤتمر الوفاق الدولي من أجل العراق الذي ترعاه الأمم المتحدة، والذي ضَمَّ الحكومة العراقية ومانِحِين رئيسيِّين ودولاً مجاورةً في مدينة نيويورك الأمريكية، ودعا الزعماء العراقيين إلى التغلُّب على ما وصفه بـ"التوترات الطائفية والإقليمية بالسعي إلى إجماع بشأن القضايا الدستورية التي لم تحل مثل الاتحاد الفيدرالي وتقاسم الثروات".
وقال في تحذير صريح: "إذا استمرت الأنماط الحالية للعداء والعنف لفترات أطول فالخطر كبير أنْ تنهار الدولة العراقية، وربما يحدث ذلك في غمار حرب أهلية واسعة النطاق"، وحثَّ عنان جيران العراق على بذل مزيدٍ من التعاون لتحقيق استقراره، وقال: "السلام في العراق يعتمد في نهاية الأمر على العزيمة المحلية والتعاون الإقليمي، لكنَّه لن يتحقَّق بدون مشاركة دولية أكثر إلحاحًا".
وفي تعليقاته على تصريحات عنان قال نائب رئيس الوزراء العراقي برهام صالح للصحفيِّين: إنَّ حكومته تواجه تحدياتٍ أمنيةً وعقباتٍ كثيرةً، "لكن هذا لا يعني أنَّنا نواجهُ حربًا أهليةً"، وشدَّد على أنَّ الاستقرار "يتطلَّب أيضًا تعاونَ جيران العراق، ومعظمهم ممثل في المؤتمر".
وقال مشاركون في الجانب المغلق من المؤتمر إنَّ نائب وزير الخارجية الإيراني ألقَى كلمةً ألقى فيها المسئولية على الاحتلال العسكري الأمريكي في زيادة متاعب العراق، بينما دعت دول مثل الصين ومصر الحكومة العراقية إلى دعم حقوق الإنسان وسط أنباء عن حوادث قتل طائفية، كما تحدَّثَتْ وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس أيضًا في الجلسة الوزارية للمؤتمر لكنَّ تصريحاتها لم تُنْشَر.
ورفض مسئول رفيع في وزارة الخارجية الأمريكية- رفض ذكر اسمه- التعقيب على تصريحات عنان عن إمكانية نشوب حرب أهلية في العراق، مكتفيًا بالقول إنَّ: "الصراع الأهلي" في العراق يجبُ إيقافُه، وقال هذا المسئول: "العراق يواجه تحديًا خطيرًا للغاية من الصراع الأهلي والصراع الطائفي، وهناك مشكلةٌ كبيرةٌ وهي نموُّ الميليشيات التي تسمِّم على نحو خطير مستقبلَ العراق"، كما رفض أن يُوَضِّح الفرق بين الحرب الأهلية والصراع الأهلي.
من جهته شدَّد الرئيس العراقي جلال الطالباني على أنَّ خطة الأمن التي تتبنَّاها حكومته تبدو علاماتٍ على نجاحها مع الهبوط الملحوظ في حوادث العنف في بغداد الشهر الماضي، وقال إنَّ الحكومة تعترف بأنَّ وزارات الأمن قد تسلَّلَتْ إليها "عناصرُ إجراميةٌ وأعضاءُ جماعات إرهابية" وإنَّ الحكومة تسعى إلى سبل لحل الميليشيات وتدريب أعضائها ومنحهم وظائف.
ولكن الانفجارات التي قتلت 35 شخصًا على الأقل في أنحاء متفرقة من العراق- من بينها مركز تجنيد للشرطة وسط العراق وفي سوق شعبي في الشمال أمس الإثنين- كذَّبَت رؤية الطالباني المتفائلة عن الأمن في العراق.
![]() |
وتجيء أعمال العنف هذه فيما عقد عددٌ من القادة الشيعة والسُّنَّة محادثات "اللحظة الأخيرة" في مسعى لكسر لجمود بشأن مشروع قانون "الفيدرالية"؛ حيث يعتزم نوابٌ شيعةٌ طرحَ مشروع القانون على البرلمان العراقي اليوم الثلاثاء 19/9/2006م رغم معارضة الأقلية العربية السُّنِّيَّة.
على الصعيد الأمني أيضًا أعلنت حكومة رئيس الوزراء الدكتور جواد نوري المالكي أنَّها بصدد تولِّي المهام الأمنية في ثاني محافظة من محافظات العراق الخمسة عشر غير الكردية هذا الأسبوع؛ حيث ستكون محافظة ذي قار التي يتولَّى المهام الأمنية فيها جنودٌ إيطاليون تحت قيادة بريطانية ثانيَ محافظة تُسلَّم المهامُّ الأمنيةُ فيها إلى العراقيين بعد محافظة المثنَّى التي سلَّمها البريطانيون في يوليو الماضي.
كما أعلن المتحدث باسم الحكومة علي الدباغ- خلال مؤتمر صحفي- تسليم الحكومة العراقية قيادة الفرقة العسكرية الرابعة المتمركزة في محافظة صلاح الدين في الشمال، فيما قال مسئول في وزارة الداخلية أمس إنَّ قوة الشرطة العراقية سوف تخضع بالكامل لدورة إعادة تدريب تستمر شهرًا بموجب خطةٍ يأمل مسئولون أمريكيون أنْ تستأصل فرق الإعدام الطائفية التي تغلغلت بين صفوفها.
على صعيد آخر عبَّرت السعودية وإيران وتركيا أمس عن قلقهم من إمكانية انتقال التوترات الطائفية في العراق إلى بقية أنحاء المنطقة التي تقطنها تركيبةٌ سكانيةٌ (متنوعة عرقيًّا ودينيًّا) مماثلةٌ لتركيبة العراق السكانية، مع تركيز العربية السعودية على مخاطر تقسيم العراق.
وقال وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز لنظرائه من دول الجوار العراقي في مؤتمر جدة: "ما نخشاه اليوم هو أنْ يقع العقلاء في فخ ما يفعله الجهلاء، وحينها يكون العراق ووحدته وشعبه الضحية لهذه الأعمال غير المسئولة"، وأضاف قائلاً: "هو وضْعٌ لن يقتصر خطرُه على العراق لوحده، وإنَّما سينال أمن المجتمع الدولي بأسره وفي مقدمته دول الجوار بطبيعة الحال".
كما عبَّر وزيرا الداخلية الإيراني مصطفى بور محمدي والتركي عبد القادر أقصو عن مخاوف مماثلة أيضًا، وقال أقصو "استمرار العنف بالعراق وتأثير ذلك على النسيج الاجتماعي في الدولة قد يؤدي إلى مشاكل شديدة الحساسية في المنطقة بأسرها".
وقال الأمير نايف إنَّه ينبغي للعراقيين "تجاوز ما نسمعه بين الحين والآخر من دعوات لتقسيم العراق على أسس مذهبية أو عرقية"، وأضاف أنَّ هذا "ما يحتِّم علينا جميعًا أن نعمل ما في وُسْعِنا عملُه لنساعد العراق والعراقيين على الخروج من هذا النفق المظلم، ليعودَ العراق سالمًا موحَّدًا ويمارِسَ دورَه المهم في محيطه العربي والإسلامي والدولي".
ويجتمع وزراء داخلية مصر والبحرين والعراق وجيرانه- وهم السعودية وسوريا وإيران والأردن وتركيا والكويت- في مدينة جدة السعودية؛ لمناقشة سُبُل تعزيز الجهود العراقية لتحسين الأمن، واتفق الوزراء على تشكيل وحدة اتصال في بغداد وتعهَّدوا بتبادل المعلومات الأمنية والتصدي لأعمال التهريب والمساعدة في تدريب الضباط.
ويقول دبلوماسيون إنَّ تركيا وسوريا تشعران بالقلق تجاه مسألة إقامة دولة كردية في شمال العراق، الأمر الذي قد يُثير طموحاتٍ مماثلةً لدَى الأقلية التركية بالبلدَين، ويَتهم بعضُ السُّنَّة في العراق وسياسيون عربٌ إيرانَ بالسعي للهيمنة على العراق الذي تقوده حكومةٌ شيعيةٌ، ولكنَّ طهران تنفي هذه المزاعم.
وقال علاء الطائي- المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية - إنَّ بغداد تريد من جيرانها إغلاق حدودهم أمام من دعاهم بـ"المسلَّحين الإسلاميين" الذين يعبُرون الحدود إلى العراق لمحاربة القوات الأجنبية التي تقودها الولايات المتحدة.
وأضاف إنَّ الحكومة العراقية بحاجة إلى دعم الوضع الأمني في العراق بمزيد من السيطرة على الحدود، وأضاف الطائي أنَّ الحكومة تريد دعمًا في النقل والتموين يشمل مزيدًا من المعدَّات وتدريب الشرطة العراقية في بلدان أخرى مثل السعودية كما يفعل الأردن.
