بقلم: ياسر الزعاترة

من المؤكَّد أن التراجع الأوروبي الذي تبدَّى أولاً في تصريحات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ومن بعده الموقف الأوروبي بشكل عام لم يأتِ عبثًا، بل ليس من العسير القول بأنها قد تلقَّت الضوء الأخضر من واشنطن، وإلا فليس من المعقول أن يبادر بلير إلى سلوك سياسي يرفضه الأمريكان "والإسرائيليون".

 

ما جرى من توافقٍ أمريكي أوروبي عربي بل وفتحاوي أيضًا هو نتيجةٌ طبيعيةٌ للمأزق الذي وجَد القومُ فيه أنفسَهم، ذلك أن كثيرًا من المطالِبين برواتبهم ليسوا ضد حماس، وإذا ما تواصلَت الأزمةُ فستكون النتيجة استمرارَ الاضطرابات وصولاً إلى سقوط الحكومة وعودة الوضع إلى المربع القديم، بل ربما ذهبت حماس أبعد من ذلك في سياق المطالبة بحل السلطة.

 

الإسرائيليون ليسوا مستعدِّين لمرحلة جديدة من التصعيد في الأراضي المحتلة، فيما لا يريد الأمريكيون جبهةً جديدةً تضاف إلى جبهتَي العراق وأفغانستان اللتَين تعيشان تصعيدًا هو الأعنف منذ بدء الحرب، أما الأوروبيون فحريصون على أن لا يظهروا بمظهر من يجوِّع الشعبَ الفلسطينيَّ، ويبقى المحيط العربي الخائف من مرحلة تصعيد جديدة لا يعرف مداها، وهو ما ينطبق على قيادة السلطة المعنية بنبذ المقاومة واستمرار التهدئة والتفاوض.

 

لا يعني ذلك أنَّ الخطَّ المتفَق عليه بين هؤلاء جميعًا والذي يتلخَّص في تشويه حماس- تمهيدًا لإقصائها حينما تحين الفرصة- قد تغيَّر، وفي السياق المذكور وافقت الحركة بعد رفض وتردُّد على وثيقة الأسرى التي تتضمن تعاملاً مع قرارات ما يسمَّى الشرعية الدولية والمبادرة العربية وإذنًا بالتفاوض ممنوحًا لقيادة السلطة، ويبقى الاعتراف بالدولة العبرية الذي تصرُّ حماس على رفضه ولا يمكن الإصرار عليه من قِبَل الآخرين الآن لكي لا تصل الأوضاعُ إلى النتيجة الآنفة الذكر.

 

والواقع أننا لم نعرف إلى الآن البرنامج الواضح للحكومة، وندعو الله أن لا يكون فيه ما يخالف ثوابت حماس التي هي ثوابت الأمة، لكنَّ ما جرى قد يعدُّ مخرجًا بالنسبة لمنفِّذي خطة الاستدراج، ويمكن استخدامه بعد ذلك في سياق الدعاية السياسية المضادَّة إذا لم تنجح الخطة بالكامل.

 

لا خلافَ على أن تشكيل حكومة وحدة وطنية هو أمرٌ إيجابيٌّ ما دام المسار الأفضل الآخر غيرَ متاح.. أعني مسارَ حلِّ السلطة وتوريط الاحتلال وتشكيل قيادة موحَّدة لمقاومةٍ تستنزف الاحتلال وتحقق إنجازٍ آخر لا يبدو بعيدَ المنال، لا سيَّما بعد الانتصار الذي تحقق في لبنان، على أن الأسئلة التالية ستبقى قائمةً، وهي أسئلة تتعلق بالمقاومة والتفاوض والجدار والأسرى وجملة الملفات التي لا يجيب عنها مسار التهدئة والتفاوض بلا سقف زمني، وإذا ما رأى قادةُ السلطة أن الحكومة هي حكومة تسيير للأعمال وتكريس للتهدئة فإن ذلك سيشكِّل خدمةً لـ"الإسرائيليين" والأمريكيين أكثر من كونه خدمةً لأهداف الشعب الفلسطيني الذي لم يقاتل من أجل الرواتب.

 

فالذي يجب أن يتمسك به الجميع هو بقاء وثيقة الوفاق الوطني بوصلةً لسياسة الحكومة، والوثيقة المذكورة لا تتحدث عن حكومة الوحدة الوطنية وعن التفاوض فقط، بل تتحدث أيضًا عن المقاومة واستمرارها ما بقي الاحتلال.. الأمر الذي يجب أن يكون واضحًا في ذهن القوى المشارِكة في الحكومة.

 

نتمنى لو كان تشكيل الحكومة إيذانًا بتحوُّلٍ في المسار السياسي لحركة فتح باتجاه الاعتراف بالمعطَى الديمقراطي، مع حقِّها الطبيعي في التواصل مع الناس من أجل كسبِ المزيدِ من الشعبية واستعادة الصدارة، لكنَّ الوضعَ لا يبدو كذلك؛ لأن أهم الصلاحيات ستبقَى في يدِ السلطة وفتح، ليس في المسار السياسي فحسب بل حتى في القضايا الأخرى.

 

إنه نظامٌ لا يتميز برأسين فقط، بل بمنهجَين سياسيَّين متباينَين أيضًا؛ ما يعني أنه لن يعيش إلا بتقديم التناقض مع الاحتلال على أي شيء آخر، وهو ما نتمنَّى أن يحدث خلال المرحلة المقبلة.