لا يشك المراقب لأحوال العالم العربي أن هذه المنطقة تتعرض لمخطط تفرق دولها ثم تفتيت هذه الدول, ولذلك فإن هناك ترابطًا واضحًا في ذهن المخطط بين المشاهد المختلفة في العراق ولبنان والسودان إلى جانب المشهد الفلسطيني الذي ينفرد بمعطيات أشد خطرًا باعتبار فلسطين هي منطلق المشروع الصهيوني وأن تأمين هذا المشروع في فلسطين تطلب أن ينطلق للقضاء على كل مصادر القوة في المنطقة، لا شك أيضًا في أن أحداث سبتمبر 2001م كانت ساعة الصفر في تنفيذِ هذا المخطط، ولكل ذلك تتقافز الموضوعات في كلِّ هذه الملفاتِ التي تبدو أحياناً للمراقب مختلفة, ولكن الوحدة العضوية فيها مصدرها مخطط واحد مع تنوع أدوات وطرق التنفيذ.

 

فإذا ركزنا هذه المقالة على تداعيات هذا المخطط في لبنان, اتضح لنا أن هناك تياراتٍ وقوى متعددة تتصارع وتتحالف داخل الساحة اللبنانية ومع خارجها بشكلٍ أخص.. بدأ هذا المخطط جديًّا بالقرار 1559 وهو جذر المخطط، ولما تم قبوله لبنانيًّا وعربيًّا تمَّ اغتيال الحريري الذي أسرع الخطى نحو تنفيذه, وفصم العلاقة بين سوريا وحزب الله والفلسطينيين داخل لبنان, ثم القضاء على حزب الله, وكانت الخطوة الثالثة هي تدمير لبنان حتى يتحمل حزب الله مسئولية هذا التدمير فينقلب لبنان كله عليه, ويكمل لبنان ما بدأته إسرائيل بالتدمير, مع استمرار محاصرة الحزب في الداخل من خلال القوة الدولية والحديث المباشر تارةً وغير المباشر تارةً أخرى تارةً أخرى عن نزع سلاح الحزب والتأكيد على الصنيعة المرادفة لذلك، وهي بسط الدولة اللبنانية سلطتها على كلِّ الأراضي اللبنانية وترك الحق لها في التعامل مع الكيان الصهيوني وفق موازين الحكومات وليس الميليشيات وحساباتها وفق ما يردد الصهاينة باستمرار.

 

ولذلك فإنَّ الجدل الذي يثور الآن في لبنان قد أعاد تعميق خطوط الانقسام السابقة بين حزب الله والتيار القومي واليساري من ناحية وقوى, 14 من مارس من ناحيةٍ أخرى ومعها الحلفاء خاصةً الكنيسه المارونية، ولعلنا نذكر أنَّ الشائعَ عندما نتحدث عن انقسام لبنان لا يتطرق الحديث إلى التقسيم, ولكني أظن أنَّ التقسيمَ سوف يكون أحد البدائل ضمن المخطط الصهيوني, أي نقل خطوط الاختلاف إلى خطوط تقسيم على الأرض، كان الشائع أيضًا في لبنان أن يكون الانقسام بين عموم المسيحيين وعموم المسلمين, حتى إن الفكرةَ الشائعةَ في العالم العربي أن القوى المسيحية بشكلٍ عامٍ تجر لبنان بعيدًا عن عروبته وإن كانت بعض الأركان المسيحية هي سند عروبة لبنان, ولما كان القضاء على العروبة والإسلام قد تجاوزها المخطط للقضاء على الدولة ذاتها وإغراق المنطقة كلها في فوضى الطوفان فإننا يجب أن نفطن إلى ما يُخطط للبنان في هذه المرحلة. كان الانقسام في لبنان أثناء الحرب الأهلية بين قوى متنوعة لا يفصل بينها فاصل ولا يقوم تحالفها على معيار, وكان الفلسطينيون وسوريا طرفًا أصيلاً في المعادلة, ثم أصبح الانقسام بين سوريا والكيان الصهيوني هو المعادلة الجديدة, وعبر لبنان إلى مرحلة ثالثة أصبح فيها التحالف مع سوريا طعنًا في الوطنية اللبنانية, والتحالف مع الصهاينة عارًا على المواطنةِ اللبنانية, وهذا ما مثلته حكومة السنيورة في تلك المرحلة: جفاء مع سوريا, عداء للكيان الصهيوني, رغبة في احتواءِ حزب الله كقوةٍ عسكريةٍ حتى لا يربك حسابات الحكومة مع الصهاينة, واستمرار الصداقة مع الولايات المتحدة رغم أنها هي التي أمرت ومكَّنت من تدمير لبنان, ولكن اعتبارات المواءمة, والسنيورة يرى أن واشنطن هي محرك كل الخطوط في مجلس الأمن, وعلى الساحة اللبنانية وفي إعمار لبنان وفك الحصار, لعل الثمن في النهاية هو محاصرة حزب الله وفصم علاقته المادية على الأقل مع سوريا وإيران، ولكن هذه الضغوط على حزب الله وهو تيار عربي يتحالف مع التيار القومي واليساري مع بعض المؤلفة قلوبهم أشعر إيران أنه غير مرغوب فيه في غير وسطه الشيعي ويبدو منبوذًا عربيًّا على الأقل على المستوى الرسمي بشكلٍ عام ولدى بعض الكتاب والمثقفين في المنطقة, رغم أنه هو الذي صمد ضد الكيان الصهيوني، وهو السبب في حديث الحكومةِ الآن عن الصمودِ والمتعة، ولذلك بدأ الحزب يعلق على التيارات التي كان يظن أنها قد استوت في منظومة وطنية واحدة بعد رحيل القوات السورية, وبعد أن رأت هذه التيارات من الذي دمر لبنان, ولكن هذه القوى تميل إلى المقولة الأخرى التي تشجعها واشنطن وتل أبيب؛ لأنها من صلب المخطط, وهي أن الذي سبب دمار لبنان هو حزب الله؛ ولذلك فإنَّ الانقلابَ على الحزب هو الطريق الصحيح للانتقام للبنان.

 

من ناحيةٍ أخرى, يلاحظ المراقبون أنَّ الدمارَ كله قد تركَّز على مناطق الشيعة في الضاحية الجنوبية في بيروت وفي جنوب لبنان في الوقت الذي تصر فيه إسرائيل على انتزاع الحزب الذي يضم كل الشيعة في كل لبنان بعد أن زال التنافس بين حزب الله وأمل, حيث ولد الحزب في البداية مرتبطًا بأمل, وفصله عن الجنوب وتغليب التواجد العسكري والمدني الحكومي الذي تستطيع الكيان الصهيوني أن تتعامل معه بحكم خطوط الضغط العالمية التي يجيدها الصهاينة على حكومات المنطقة العربية من خلال واشنطن.

 

والمحلل السياسي أمام هذه الصورة التي تتعمق كل يوم مع ضغوطِ الكيان الصهيوني على حزب الله في كل سياساته حتى إنه ألقى بمغرياتٍ كبيرةٍ لخلطِ الأوراق وتعزيز حربه على حزب الله, عندما عرض استعداده للتفاوضِ مع لبنان حول الانسحاب من مزارع شبعا بشرطين الأول أن ينزع لبنان أو يسعى إلى نزع سلاح الحزب وإخفائه كليةً من الجنوب, وأن تقر الأمم المتحدة بأن هذه المزارع لبنانية وليست سوريا. فإذا ربطنا بين هذه الجزرة وبين خطوط الإذلال والضغط على سوريا وهي الحديث عن قطعِ خطوط الاتصال البرية بين سوريا وحزب الله على الحدود الدولية من خلال فرض رقابة دولية عليه, وتأكيد الصهاينة ردًّا على رغبة سوريا المعلقة في التفاوض على الجولان, بأن هذا مستحيل وأن الجولان جزءٌ من الكيان الصهيوني وفق قانون الكينسيت عام 1981م وليس قرارات مجلس الأمن التي ينتقي منها الصهاينة ما يناسبهم ويدفعون إلى تنفيذه, فضلاً عما في الشك في لبنان شبعا من إهانة مبطنة لسوريا, فإن هذه اللعبة تبدو أهدافها مرتبطة بمخطط إضعاف الرابطة بين الحزب وسوريا.

 

ولكن يبدو لنا أن هذا المخطط الصهيوني سوف يدفع إلى فرز القوى بحدة في لبنان؛ مما قد يدفع إلى مخاطر تقسيم لبنان النحيل وتعميق خطوط الاختلاف والانقسام لتصبح خطوطًا للتقسيم، كما حدث في العراق مما يؤدي إلى تداعياتٍ إستراتيجية وسياسة بالغة الخطر.. فإلى أين يتجه لبنان حقًّا في ضوءِ هذه التجاذبات التي تعصف بلبنان الجميل.