كتب- ياسر هادي
وسط تباين حاد في الآراء شهدت ندوة (التدخل الدولي في دارفور) والتي عقدها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان مساء الأحد 17/9/2006م خلافات بين الحضور حول جدوى التدخل الأجنبي في دارفور وفقًا للقرار الصادر من مجلس الأمن.
ورغم الحضور المكثف من أهالي دارفور الذين اكتظت بهم القاعة التي عُقدت بها الندوة فإن الحضور انقسموا إلى فريقين: رفض بعضهم التدخل الأجنبي، واصفين إياه بأنه احتلالٌ كاملٌ للبلاد وانتهاكٌ لسيادتها، في حين أيد الفريق الآخر ذلك التدخل، مشيرين إلى أنه الأمل الوحيد للخروج من الأزمة في السودان.
ورغم موافقة المنصة على التدخل الأجنبي، وهو الأمر الذي أثار استياء عدد من الحضور- بسبب عدم تنوع الآراء والتركيز على رأي واحد- إلا أن الوزير المفوض بسفارة السودان الدكتور ياسر محمد علي تمكن من شرح وجهة النظر المخالفة؛ حيث حذر من خطورة الموافقة على التدخل الأجنبي في السودان، مؤكدًا أن القرار الدولي هو قرارٌ سياسيٌ لتصفية حسابات سياسية مع الحكومة السودانية، مدللاً على ذلك بأن هناك قوات دوليةً موجودةً بالفعل في دارفور، فلم يكن هناك داع لاستصدار قرار بإرسال قوات أخرى سوف تكلف نحو بليون و700 مليون دولار لن يستفيد منها الشعبُ السوداني أو نازحو دارفور دولارًا واحدًا!!
وتساءل الوزير السوداني لماذا لم تتم مساعدة القوات الإفريقية الموجودة في المنطقة بالفعل بدلاً من استبدالها بقوات أخرى؟!
وأشار إلى أنه لم يصدر بعد قرارٌ من الاتحاد الإفريقي بسحب القوات، إلا أن هناك توصيةً بذلك من مجلس السلم والأمن داخل الاتحاد، مطالبًا بدعم الدول العربية لتلك القوات التي يمكن أن تقوم بالمهمة التي شمر المجتمع الدولي عن ذراعيه للقيام بها، إلا انه ندد بالإصرار من جانب المتمردين على التدخل الأجنبي لتحقيق مصالح سياسية بعيدًا عن مصلحة السودان وحماية أرضه وسيادته، لافتًا إلى أن هناك عددًا من القبائل العربية في دارفور ترفض التدخل الأجنبي خلافًا للشائعات التي يروجها البعض والتي تزعم ترحيب جميع أهالي دارفور بالتدخل.
وأشار الوزير المفوض السوداني إلى اقتناع هذه القبائل بأن التدخل لن يحقق أي مصلحة للسودانيين، بل يسعى إلى بداية احتلال، وأن الهدف الرئيسي منه هو إنهاك النظام السوداني وإضعافه.
واعترف الدكتور ياسر محمد علي بالمسئولية المشتركة بين الحكومة السودانية والمتمردين عن تفاقم الأوضاع، إلا أنه رفض تحميل الحكومة المسئولية عن إفشال اتفاق أبوجا، مؤكدًا عدم منطقية الحكم على الاتفاق بالفشل، رغم عدم مرور سوى 4 أشهر على بدء تطبيقه، موضحًا أنه كان يجب منحه الفرصة لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة التي تسعى بعض الجهات إلى تأجيجها وليس إلى إنهائها.
ومن جانبها حذرت الدكتورة إجلال رأفت- أستاذ الشئون الإفريقية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- من تدخل القوات الأجنبية دون موافقة الحكومة والشعب السودانيين، لافتةً إلى أن هذا التدخل سوف يؤدي إلى عواقب وخيمة نتيجةَ المواجهة الدموية التي يتوقع أن تحدث مع قدوم أول جندي إلى أرض السودان، ولم تستبعد الوصول إلى مرحلة الصوملة، في إشارة إلى الفوضى التي تسود الصومال منذ فترة طويلة؛ بسبب الاقتتال الداخلي "وهي الأزمة التي تُلقي بأخطار جسيمة على الأمن القومي المصري" والتي اعتبرتها الدكتورة إجلال رأفت أكثر خطورةً عليه من التدخل الأجنبي في دارفور، وأشارت إلى الأزمة التي تعانيها الحكومة السودانية المحاصرة بين فكَي الرحَى؛ حيث تُرغَم على الموافقة بالتدخل الأجنبي أو معاداة المجتمع الدولي.
وفي إشارة غريبة خاطبت الخبيرة في الشئون السودانية الحاضرين من دارفور، مطالبةً إياهم بضرورة التفرقة بين الموقف الرسمي المصري والذي ما زال يتحفظ على التدخل الأجنبي وبين ما اعتبرته الموقف الشعبي الذي ادعت أنه يوافق على التدخل، مستندةً في هذا الإطار إلى البيان الذي أصدرته 31 منظمةً حقوقيةً عربيةً، منها بعض المنظمات المصرية، والذي دعا إلى سرعة التدخل الأجنبي، وهو الأمر الذي لم يوافق عليه عددٌ من حضور الندوة الذين أشاروا إلى أن تلك المنظمات لا تنقل نبض الشارع بل تعبر عن آراء القائمين عليها.
أما الخبير في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام الدكتور جمال عبد الجواد فقد أشار إلى أن الدول العربية مطالَبةٌ بالتدخل في شئون بعضها؛ لمحاولة التوصل إلى حلول لمشكلاتها، مؤكدًا أنه لو تدخلت الدول العربية في الأزمة السودانية لم يكن هناك داع للوصول إلى تلك المرحلة، لافتًا إلى أن فكرة السيادة لم تعُد قائمةً بنفس المستوى؛ حيث دخل العالم مرحلةَ صعود مطالب الأقليات العرقية والقوى الدينية واعتراف العالم بحق تلك الجماعات في التمرد أكثر من حق الدولة في قمع تلك التمردات التي تثور داخل البلاد.
وأضاف أن تكلفة التدخل الأجنبي سوف تكون مرتفعةً ويمكن أن تؤدي إلى عزلة دولية وعقوبات اقتصادية وربما مواجهات عسكرية، لافتًا إلى أن الفرصة ما زالت متاحةً أمام الحكومة السودانية للخروج من الأزمة.
وفي ترحيب واضح بالتدخل الأجنبي انتَقَد الدكتور جمال عبد الجواد تخويف مصر من ذلك التدخل، مشيرًا إلى أنه أقلُ خطورةً من انتشار الفوضى في السودان، وقال إن الدول الفاشلة تدفع للتورط في صراع إقليمي كبير وتحول بلادها إلى بؤرة توتر.
ومن جانبها أكدت عشرات المداخلات التي قام بها الحضور من أهالي دارفور إلى الترحيب بالتدخل الأجنبي، مطالبين بأن يتم اليوم قبل الغد، وسخروا من الحديث حول السيادة السودانية أو الأطماع في ثروات السودان، مؤكدين أن تلك الدول ليست في حاجة إلى تلك الثروات؛ لأن لديها ما يكفيها.