بقلم: حمدي عبد العزيز*

قام مركز حقوقي مغمور اسمه مركز "الحوار الإنساني" ومقره مكتب السيد: أثناسيوس وليام زكي "المحامي" بمنطقة الفلكي بتقديم بلاغ للنائب العام بتاريخ 7 من سبتمبر الحالي يطالب فيه بالتحقيق مع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الأستاذ محمد مهدي عاكف بسبب تصريحاتٍ أدلى بها في أحد المؤتمرات منذ ما يقرب من شهر!!.

 

ويقول البلاغ إن نقابة المحامين أقامت مؤتمرًا في 18 من أغسطس الماضي كان أ. محمد مهدي عاكف أحد الحاضرين فيه وتطرَّق في معرض حديثه عن الحرب في لبنان لموقف رؤساء الدول العربية الذي وصفه بالمخزي والمهين بقوله: "لولا أنهم موحدون بالله لقاتلناهم؛ لأنهم أشدُ خطرًا من الإسرائيليين أنفسهم".

 

وأضاف مقدم البلاغ أنَّ تصريح فضيلة المرشد العام إثارة وتحريض على قتلِ الرؤساء العرب والرئيس مبارك، معتبرًا أنه يتناول شقين: الأول: تحريض على القتل بما يخالف القانون، والثاني: السب الذي يعني ما يمس الإنسان وشرفه وكل ما ينطوي على الاحتقار والتصغير.

 

*****

ومن المفارقة أن المركز المذكور يقول إن أسباب تقديم البلاغ تتمثل في رغبته في تنميةِ الحوار الإنساني، وإن هذا التصريح ينتهك الحقَّ في الحياةِ التي يؤكد عليها العهد المدني للحقوق المدنية والسياسية.

 

ولذلك من الأهمية أن نعرف مفهوم مقدم البلاغ للحوار وهل يختلف عن التعريف اللغوي المشتق من الحَوَر، وهو الرجوع أو مراجعة الكلام، والمحاورة هي المجادلة، والتعريف الاصطلاحي الذي يُقصد به المناقشة بين الطرفين، أو أطراف بقصد تصحيح كلام أو إظهار حجة وإثبات حق أو دفع شبهة، ورد الفاسد من القول، أو الرأي.

 

فالحوار بهذا المعنى يهدف إلى إيجاد حلٍّ وسطٍ يُرضي الأطراف، والتعرف على وجهات النظر، والبحث والتنقيب للاستقصاء والاستقراء وهو ما لم يتحقق من طرفِ صاحب البلاغ الذي لم يطلب تفسيرًا لتصريحاتِ المرشد العام للإخوان وقدَّم بلاغه الذي يستعدي السلطات الحكومية المتحفزة أصلاً ضد الإسلاميين.

 

وبدلاً من أن يطلب الحوار مع الطرف الآخر لاستجلاءِ أفكاره ومقاصده استندَ إلى المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوقِ المدنية والسياسية التي تؤكد على الحق في الحياة، وكأنَّ لديه شكوكًا قويةً بوجود مخططات لاستهداف الحكام العرب وأهمل في الوقت نفسه أنَّ حريةَ النقد للموظفين العموميين مصونة في الدستور والمواثيق الدولية التي تحرم تقديم أي طرف ينتقد المسئولين إلى المحاكمة.

 

*****

وبناءً عليه: فإن السيد مدير مركز الحوار الإنساني إضافةً إلى أنه نصب نفسه محاميًا لرئيس الجمهورية دون أن يطلب منه ذلك لم يكتفِ بضرب الهدف من تأسيس مركزه- الذي لم أسمع به سوى عقب تقديم البلاغ رغم خبرتي المتواضعة بالعمل المدني والحقوقي- وهو الحوار، وإنما انتهك حقَّ أحد المواطنين المصريين في النقد والتعبير الذي تكفله المادة 19 من العهد الدولي حيث تنص على أن: "لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.. ولكل إنسان حق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكلٍ مكتوبٍ أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها".

 

ليس هذا فحسب ولكنه ساهم- بقصد أو بدون بقصد- في حملاتِ التشويه والتشهير ضد أحد القوى الفكرية والسياسية العريقة في البلاد التي يُضرب برؤاها للنهوض والاستقلال عرض الحائط ويُستهدَف أعضاؤها وقادتها من جانبِ الأجهزة الأمنية باستمرار بذرائع غير واقعية على الإطلاق.

 

كما أنَّ البلاغ أورد التصريح "المثير" محرفًا حيث قال: "لولا أنهم موحدون بالله لقاتلناهم لأنهم أشد خطرًا من الإسرائيليين أنفسهم" وهو في الحقيقة: "لولا أنهم موحدون بالله لقاتلناهم؛ لأنهم أشد علينا من الإسرائيليين" وهو ما يستدعي التساؤل عن الهدفِ من هذا التحريف المقصود.

 

*****

إنَّ هذا السلوك يحقق هدفين بضربةٍ واحدة: الأول: الدخول على خط الاستقطاب الفكري والسياسي من خلال الانضمامِ لأطرافٍ فكرية وسياسية لديها مصلحة في إقصاء الإسلاميين فيعمدون إلى اصطياد تصريحاتِ قادتهم وإخراجها من سياقها وطينتها لتشويههم وتبرير الحملات القمعية والإعلامية ضدهم.

 

الثاني: أنه ينتمي إلى ما يُمكن تسميته الأجندات المفتعلة والإنجازات الكاذبة فبدلاً من الحوار مع الإسلاميين يتم افتعال الصراعات معهم مثل لجوء الحكومة إلى رفع مرتبات الموظفين 30 جنيها بدلاً من معالجةِ الأزمة الاقتصادية، وتقليص الدعم لفقراء المدن وفلاحي الريف تحت شعار إيصاله لمستحقيه بدلاً من الوقوف معهم.. والمحصلة الأخيرة لكل هذا تتمثل في سيادة أجواء الريبة، والتربص، وعدم الثقة، واستمرار الانقسام الفكري والأيديولوجي الذي يجد فيه "الخارج" التربة الملائمة للاختراق والاستبداد البيئة الملائمة لبقاء الوضع القائم على غياب الحريات والعدل.

 

*****

لا بد أن يفهم تصريح المرشد العام في سياقه الصحيح وهو التعبير عن مشاعر الغضب من أحد قادة المجتمع المدني المصري الذين يرغبون في تحقيق النهوض والاستقلالية لهذه البلاد، فالرجل طالب القادة العرب بإرسال الجيوش للدفاع عن لبنان تفعيلاً لمعاهدة الدفاع العربي المشترك، كم طالب مرارًا بالإصلاح، ولكنه لم يجد أذنًا صاغيةً ووجد بدلاً من ذلك تضييقًا مستمرًا على الحريات العامة واعتقالاتٍ مستمرة لمثقفين وأكاديميين فضلاً عن تحميل المقاومة اللبنانية مسئولية الحرب فهل نتربص به ونستعدي عليه أم نتحاور معه وندعو لوحدةِ العمل المدني من أجل دفع الأزمات المتلاحقة التي تُهدد مصر؟!

 

إنَّ هذا التصريح يندرج في نطاق نقد المسئولين في إطار حرية الرأي والدعوة السلمية إليه بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية والآداب العامة والمقومات الأساسية للمجتمع ولم يصل إلى حد التجريح أو سب أي مواطن مصري على اعتبارِ أن هذا ليس من منهج جماعة الإخوان.

 

إن منهج الإخوان المسلمين يتواءم مع مقاصد الشريعة الغراء "حفظ النفس والنسل والمال والعقل والدين"، فحرمة الإنسان- أي إنسان- أغلى من حرمة بيت الله الحرام، ويقوم على الحجةِ والإقناع امتثالاً لتعاليم الأصول المنزلة- القرآن والسنة- كما في قوله تعالي: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: من الآية 125)، وذلك انطلاقًا من مدرسة الصبر والتمكين التي ينتمون إليها التي تُحرِّم الخروج المسلح على الحكام المسلمين ولا تستعمل الجهاد إلا لرد العدوان على ديارهم وتحقيق الاستقلال لبلادها، أما في الداخل فجهادها هو الكلمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

*****

وختامًا: إنَّ غيابَ الحوار في مجتمعٍ ما يصبغه بالجمودِ والقهر، ومن يتصور الحوار على غير صورته فإما أنه يخاف منه، أو يخاف من نتائجه، أو يجهل ماهيته وأهميته وضرورته في الحياة.

----------

* مدير وحدة البحوث بمركز سواسية لحقوق الإنسان