بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل
الظاهر أنه لم يعد هناك موقف واحد للعالم العربي من أي قضيةٍ عربية, وهذا يربك العالم الخارجي, فيتطوع البعض باتخاذ مواقف يظن أنها تخدم مصلحة الطرف صاحب القضية, بعد أن اندثر مفهوم القضية العربية التي يلتف حولها العالم العربي ويحارب من أجلها، فقد نجحت الجهود الأمريكية "الإسرائيلية" الرامية إلى انتزاع الرؤية في المنطقة وتفتيت المواقف العربية التفصيلية مع الاحتفاظِ للعالم العربي بعددٍ من الشعارات العامة.
وعندما أعلن السيد عمرو موسى, عقب اجتماعٍ طارئ لوزراء الخارجية العرب, وهو يهم بالإعداد لقمةٍ عربيةٍ كانت مقترحة, أنَّ عمليةَ السلام قد ماتت وأنَّ الحكومات العربية وقعت ضحية عملية نصب كُبرى باسم عملية السلام تمَّ خلالها تسويق عددٍ من المصطلحات البراقة الفارغة من كلِّ مضمون, وأنَّ العالمَ العربي سوف يحمل ملف السلام برمته إلى مجلس الأمن لبحثه في جلسة خاصة, عندما سمعت ذلك وقعت في حيرة شديدة لأسباب عديدة:
أولها, أنَّ هذا يعني حرمان الولايات المتحدة من دور الوسيطِ النزيه.
ثانيها أنني أعلم أنَّ عمرو موسى يُدرك تمامًا أنه قام بدوره في وزارة الخارجية وفي الجامعة العربية ويقضي هذا الدور المرسوم بالترويج لأقانيم السلام، والقطع بطريقته الحازمة بأن السلامَ قادمٌ لا محالةَ, والمهم هو أن يتعاطى المرضى هذه الوصفة الطبية والشفاء مضمون والسلام أقرب إلى المنطقة من حبل الوريد, فلماذا قبل أن يقوم بهذا الدور وهو نفس الدور الذي يقوم به وزراء خارجية مصر والدول العربية وبعضهم أذكى من أن يصدق ما يقول والعذر أنهم ينفذون خطًّا وسياسة تفرض عليهم الترويج لبضاعة ميته, ونص مهلهل. بل الأنكى أنه كلما نقدنا أدوات عملية السلام ونصوصها البالية كان ذلك يعد كشفًا لمستور أو كفرًا بنعمة أو جهلاً بما هو أعلى من أفهامنا لدرجةِ أنني ظننت ذات يوم من فرط إلحاح هذا الخطاب الجريء أنَّ الوزيرَ يعرف بحكمِ منصبه من حكمةِ النص وخفاياه ما لا يعرفه الموظفون أو الكتبة في الصحف.
فقد استمرَّ تسخير أموال الشعوب العربية في رحلات وزيارات ومآدب وإعلام ورشوة أقلام وأفواه وقصف أقلام وتكميم أفواه للدجل على الرأي العام العربي لا تقيم له الحكومات العربية "النجيبة" وزنًا, وكأنَّ فشلها في إدارة المجتمع داخل أوطانها كان يتطلب تقديم المواد السياسية السامة مع المأكولات المسرطنة والهواء الفاسد.
أما السبب الثالث, في هذا الالتباس الذي أصابني فهو أنَّ عمرو موسى جزءٌ من المؤسسات العربية الرسمية، ولولا ذلك ما عُيِّن في منصب الوزير ثم الأمين العام, وأرجو ألا يفهم عمرو موسى من تحليلي لهذه الكارثة أنني أهاجمه أو أنتهز فرصة, فأنا في الحالين القاتل والقتيل كما قالت المرأة العربية في حروب داحس والغبراء. فهل تمرَّد عمرو موسى على المؤسسة الرسمية العربية ويُمهد, كما يفعل كل المسئولين العرب, للاستقالة المقرونة بطبل إعلامي.
السبب الرابع هو أنني ظننت أنَّ عمرو موسى يعبر عن روح الاجتماع ومضمونه وربما يشرح أحد قراراته المبهمة في هذا الشأن, ولكن الصوت الخافت في ذات المؤتمر الصحفي الصادرة عن وزير خارجية إحدى الدول العربية وتأكيده أنَّ عمليةَ السلام لم تفشل ولم تمت زادت الآمر عندي التباسًا.
السبت الخامس أنني واثق تمامًا بأن تعريف السلام ونطاق العملية التي تجري منذ عقود لجلبه ليست محل اتفاق عربي, والأخطر أن نتائج الإقرار بانتهاء عملية السلام قبل أن يعلن ذلك البيت الأبيض يعد هرطقة سياسية, لا يجوز الجهرَ بها، وقد فهمت ذلك وأنا أحاول وأجاهد لفكِ الالتباس الذي وقعت فيه, عندما قرأتُ للرئيس مبارك تصريحات هامة نشرت في الصحف المصرية يوم 30/8/2006م أكد فيها أنَّ عمليةَ السلام بخير وأنَّ مصرَ لا تقر مطلقًا أنها ماتت.
معنى ذلك أنَّ عمرو موسى أراد أن يُعبِّر عن ضيقِ العالم العربي بالعربدةِ الصهيونية ولكنه أساء إلى عملية السلام التي تتمتع باحترامٍ وحصانةٍ لدى الحكومات العربية التي تعرف قيمتها، ولكن هل تأخَّر الرئيس مبارك في الردِّ على عمرو موسى أم أنه جدَّت أمورٌ جعلت تصريح عمرو موسى غير مُوفَّق أم أنَّ واشنطن طلبت الإعلانَ الرسمي من جانب مصر عن ردِّ الاعتبار لعملية السلام، والحق أن تصريح عمرو موسى رغم قسوته على بعض الحكومات العربية إلا أنه كان مهذبًا في التعبير عن حقيقة عملية السلام, فهي في الواقع عملية تخدير للشعوب العربية لاستمرار اللعبة, فماذا جنت المنطقة من أوهام السلام وماذا جنت "إسرائيل"؟ وأين هذه الثمار اليانعة سوى توحش القوة والغطرسة الصهيونية وسياسة الاغتيالات المستمرة وكأنها تلقى موافقة فلسطينية وعربية ودولية وهدم المنازل وإذلال الناس أحياء وأمواتًا واحتقار القانون الدولي كلما تعلق الأمر "بإسرائيل", بينما تقر "لإسرائيل" بأهليتها للقيام بتنفيذ قراراتِ مجلس الأمن بنفسها في لبنان، وأقصد بذلك القرارين 1559, 1701 وكلاهما انتهاك لميثاق الأمم المتحدة وتزويد للوقائع وتشجيع "لإسرائيل" على المزيد من امتهان القانون.
وتشمل عملية السلام ليس فقط محاولات تطبيق القرارين الشهيرين 338,242 وقرارات قمة مدريد، وإنما تمتد إلى اتفاقات السلام مع مصر والأردن واتفاق أوسلو, رغم اختلاف درجات الفشل الفني والإستراتيجي.
لقد كانت نتيجة أوهام السلام غزو العراق وتدمير لبنان والعبث في فلسطين؛ لأن الجذر الرئيسي لعملية السلام هو التسليم الكامل للإدارة الأمريكية، وهو أنَّ واشنطن التي قررت أن المقاومة العربية إرهاب في العراق وفلسطين والعراق وزودت الكيان الصهيوني بالأسلحة والحماية والغطاء السياسي والأخلاقي في كل بطشها وبربريتها لا تزال هي الطرف الراعي لهذا السلام الصهيوني والبائع الرئيسي لوهم السلام للعرب حتى جاهر مندوب "إسرائيل" في الأمم المتحدة بالحقيقة المرة, عندما تحدى أن يعلن أي من العرب أنه يفخر بأنه عربي مثلما يفخر هو بأنه "إسرائيلي".
لقد ظنت واشنطن وتل أبيب أنَّ مواقف الحكومات العربية تعبير عن موقف الشعوب العربية أو هو الأهم في حساب المواقف العربية ما دامت الشعوب مستذلة ولا حولَ لها ولا قوة, كما ظنت أن قدر الذكاء الرسمي هو القياس المعياري للذكاء العربي العام, وإلا لماذا لم يواجه القادة العرب المسئولين الأمريكين بحقيقةِ الوهم, وفي هذه الحالةِ يُمكنهم أن يعلنوا لهم أنهم رغم ذلك يسايرون الموقف الأمريكي ويتظاهرون أمام شعوبهم بأنهم موافقون ومقتنعون حتى ينسبك الدور وأن يكون للدور الثمن المطلوب وطنيًّا أو شخصيًّا أو وهمًا لا يسمن ولا يغني من جوع.
فهل لا يزال الرئيس مبارك مصرًّا على أن أدوات النصب لعملية السلام هي أدوات حقيقية وأنَّ السلامَ أصبح كلما قست علينا "إسرائيل" قاب قوسين أو أدنى, كما يروج الرابضة الذين يروجون كالببغاوات لهذه المفاهيم؟ أم ترى أن لديه ضمانات لكي تبدأ عملية سلام حقيقية تتنازل فيها "إسرائيل" بلا مقابل من ضغطٍ أو إغراء عمَّا تحت يدها من أقاليم وما تمارسه من قهرٍ يومي للمواطن العربي تحت الاحتلال الصهيوني وتحت الحكم العربي الوطني المستنير.
إنني أعتقد أن تمسك الرئيس مبارك بأن عملية السلام لا تزال بخيرٍ وربما أضاف أن الإرهاب العربي, يُقصد المقاومة في لبنان وفلسطين هي أكبر عائق أمام السلام يمكن تفسيره بعددٍ من الاعتبارات. أول هذه الاعتبارات أن الإعلان عن موتِ عملية السلام سوف يدفع إلى البحث، إما عن نصوصٍ جديدةٍ وهذا لم يعد متصورًا, وإنما عن بدائل لعملية السلام وهو الاستعداد لممارسة ضغوطٍ عربيةٍ على الدجال الأكبر وهو الولايات المتحدة, وهذا ما لا تريد حتى أن تحلم به الحكومات العربية التي تفضل مواجهة ملك الموت على مواجهة واشنطن بالحقائق التي تعرفها واشنطن جيدًّا وتصرُّ على استخدامِ مصطلحات ممجوجة مثلما يُروج الرئيس بوش.
أما السبب الثاني لتفسير هذا الموقف فهو أن تصريح عمرو موسى بالطريقة التي صيغ بها هو اعتراف من داخل المؤسسة الرسمية وإدانة كاملة لهذه المؤسسة التي قبلت أن تلعب دور المحلل للترويج للأوهام الأمريكية فخانت الأمانة مرات عديدة, مما يسمح لنقاد هذه المؤسسة بالتأكيد على أن افتقادها للشرعية هو الذي أتاح لها أن تخدع شعوبها, وكان بوسعها أن تسمتع إلى الخطاب الأمريكي وتسكت عليه بدلاً من بيعه للجمهور والتصدي لكل مَن يشك فيه, وكأنه ارتكب جرمًا في حقِّ الوطن بعد أن بلغت النظم العربية حدِّ التكفير السياسي لشعوبها, وتحديد مقدار الوطنية التي يتحلى بها المواطنون العرب, على ضوء إخلاصهم لهذه النظم.