بقلم: دكتور محمد جمال حشمت*
ما زال هذا هو سؤال أهل الغرب وعلى رأسهم أمريكا- بوش تبريرًا لاستمرار الهجوم علينا واستثمار عقدة الخوف التي يسوقونها لدى شعوبهم.
والحقُّ يقال إنَّ الاتهام بدون دليل ظلم وقد عانينا ذلك بأعيننا، فالظلم ظلمات، وقد أقسم رب العزة على نصرة المظلوم ولو بعد حين لما يمثله الظلم من إحباط وغضب ومهانة؛ لذا لا نحب أن نقع فيما نستنكره على الظالمين وقانا الله شرَّ الظلم وظلماته! والسؤال السابق يبحث في أمرٍ يقيني بأنَّ الحاكمَ هنا في مصر يكره شعبه والبحث هنا عن السبب أو الأسباب لا عن الحالة!! فلا شك في أنَّ ما يحدث في مصر طوال أكثر من 25 عامًا هو عمر النظام الحاكم يدل دلالةً قاطعةً على كراهيةِ الحاكم لبلده وشعبه رغم ما عاد عليه من نفوذٍ وقوةٍ ومكانةٍ وثراء تتجاوز إمكانات كل القائمين على الحكم، ولعل ما تدل عليه هيئة الشعب المصري في حياته اليومية أو ما يتمتع به من خدماتٍ أساسية في التعليم أو الكهرباء أو الماء أو المواصلات أو توافر السكن المناسب أو العمل اللازم لاستمرار المعيشة بمستوى يحفظ على الإنسانِ كرامته وآدميته يؤكد هذه الكراهية!!، والأشد والأنكى والدليل الثالث هو استسلام الحاكم لأعداءِ الوطن تحت دعوى حماية الوطن والشعب من شرِّ أنفسهم كي يبني الوطن نفسه ونتفرغ لبناءِ دولةٍ قوية تسعى للسلام وتعيش من أجله وتدعو إليه كل الدنيا!!
ورغم مرور أكثر من 30 سنة على هذا التوجه السلامي الاستسلامي إلا أننا لم نلحظ أي توقفٍ للتدهور الحادث في حياةِ الشعب وكرامةِ الوطن، بل حصل الوطن في ظل حكمهم على أصفارٍ كثيرةٍ على مستوى الحرياتِ والديمقراطية التي تعني تداول السلطة، وعلى مستوى المكانة الأقليمية والدولية فلا ينشغل العالم بمصر إلا عندما يطلب منها مهمة تخدم المشروع الصهيوني الأمريكي أو تتحدث عن تاريخها الفرعوني أو تصبح محلاًّ لظاهرةٍ كونيةٍ فريدة يتابعها العالم كله!! ولم تترك الأصفار مصر على مستوى التعليم أو البحث العلمي أو حتى الزراعة التي يمتد تاريخ مصر فيها إلى أكثر من سبعة آلاف عامًا، فعدنا نستورد أكثر من 60% من غذائنا، وعندما فكرنا في عامٍ واحدٍ فقط لزيادة محصول القمح هاجت أمريكا ووجدت آذانًا صاغيةً من النظامِ الحاكمِ ليدعم الفلاح الأمريكي على حسابِ الشعب المصري كله!! حتى الرياضة لم تسلم من لعنةِ الأصفار، ولعل الأصفار كانت نتيجةً حتميةً لغياب الشفافية ولانعدام الحبِّ لهذا الوطن وأهله، وأتذكر حوارًا مع أحد قيادات أمن الدولة وهو الجهاز المختص بإدارة شبكة الحماية للنظام الحاكم بأي صورةٍ وأي شكلٍ وأي ثمن!!!
عندما حدثني للحظات عن حبِّ مصر!! فقلت له سريعًا بكلماتٍ يشوبها الغضب هناك ناس تُحبُّ مصر وتأخذ الثمن وناس تحب مصر وتدفع الثمن، وهذا هو الفارق بينكم وبيننا!!!
على كل الأحوال يبقى السؤال لماذا يكره هؤلاء البلد التي يرتعون في خيرها نهبًا بغير حقٍّ؟!! البعض يُفسِّر ذلك بأنهم متورطون في العداءِ للشعب؛ حفاظًا على ما اكتسبت أيديهم ظلمًا وعدوانًا! خاصةً أنهم لا يلجئون إلى الشعبِ ليختار مَن يريد بإرادةٍ صحيحةٍ مما أفقدهم الشرعية الذين يتحدثون عنها كثيرًا كأنَّ على رأسهم بطحاتٍ!! والبعض دلل على ذلك بما حدث في البحيرةِ ودمنهور والشعب هنا شريحة مستعرضة من الشعب المصري لا يحب مَن يكرهه ولا يمنح ثقته لحاكمٍ ظالمٍ رغم الصمت وطول البال!! ولكنه علَّم النظام الأدب عندما يحتكم إلى صندوقِ الانتخابات!! فكان شعب البحيرة أقل المحافظات تصويتًا- حتى بعد التزوير الفاجر في انتخابات الرئاسة- للحاكمِ في أول انتخاباتٍ رئاسيةٍ، وكان الشعب في دمنهور دائمًا السبب في نجاحِ المعارضين لكل الأنظمة الحاكمة (منهم عمر الوكيل الوفدي ومحمد عبد الشافي وعبد المنعم حسين الوفدي)، وعندما تحالف الوفد مع النظام الظالم أسقطه من حساباته في انتخابات 2003م! هذا هو شعب دمنهور الذي حُرم ممن اختاره قهرًا فكان الثمن لعنةً تُطارد مَن اغتصب حقَّهم وفضيحةً وعارًا لَحِق بنظامِ الحكم ورموزه الذين لم يجدوا أي غضاضة في أكل الحرام وهضمه والحديث عنه كأنه حقٌّ لهم، وصدق مَن قال "إن لم تستح فافعل ما شئت"!! وكان رد الفعل من النظام أنَّ عين محافظًا لامعًا أنجز في قنا تطويرًا غير مسبوقٍ في المحافظةِ المحرومة من أي خدمة طوال عشرات السنين، واستبشرنا خيرًا لعل النظام أراد أن يفتح صفحةً جديدةً مع هذا الشعبِ الوفي وهو شعب طيب يمكن الدخول إلى قلبه لو أخلص له أي مسئول- إنما حانجيب منين؟- المهم أنَّ أحلامَ المحافظ فاقت حدوده رغم كافة التسهيلات التي قُدمت له ولم يُدرك أنَّ البحيرةَ ليست كقنا لا في الجغرافيا ولا التاريخ ولا الموارد ولا المزاج العام، وهو ما كتبته في موقع البحيرة في الأيام الأولى لتوليه! أراد أن يصنع مجدًّا وتاريخًا- كنا نتمناه له- ولكن دمنهور تلك الفاضحة لكل مَن لا يخلص لها أبت أن تنصاع لفكرٍ أُحادي هدم العمل المؤسسي واصطدم بالغلابةِ ولم نلحظ أو نسمع عن موقف اتسم بالبعد الإنساني والاجتماعي الذي لا ينفك وجوده لدى أي مسئول تنفيذي ناجح- وهو ما ذكرته أمام سيادته في حفل تكريم له بالنادي السورى في الإسكندرية على رؤوس الأشهاد- بل لم نسمع إلا صرخات المطحونين عندما تفرض عليهم رسوم تضمن إيرادًا للتطوير في محافظةِ تشكو بخل رجال أعمالها عليها وفقر أبنائها وهي تُعاني من تدهور مؤشر التنمية البشرية ليضعها مع آخر 6 محافظاتٍ في الجمهورية في مقياس التنمية (64.9%) ورغم ذلك كانت أول محافظة في نسب التصويت لانتخابات برلمان 2005م!!- طبقًا لأرقام دراسة حديثة للجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية- مجتمع فقد الآمان وانتشرت أعمال البلطجة والسرقة والنصب وسط شعب لا يجد قوت يومه!! لقد أخرجت أحشاء المدينة بالكامل بل سرة البلدة وموطن كل المؤسسات الهامة دون تخطيط اللهم إلا في عقل من أمر بها دون الرجوع إلى الجهات المختصة، اللهم فقط للتنفيذ دون نقاش!! وفي غيبة تصورٍ واضحٍ لإدارةِ هذه المشروعات الضخمة التي بدأ العمل فيها بالإضافةِ إلى إهدار أموالٍ كثيرةٍ في هدم ما لم يمر على بنائه عامان بالأكثر، وكان أسوأ ما تلقاه المواطن في دمنهور هو حالة الإهمال التي لاقاها حيث بقي التراب كما هو طوال شهور الصيف وبقيت الحفر دون تسويةٍ لحين الرصف وهو ما كلَّف أبناء هذا الشعب أمراضًا صدريةً وكسورًا عظميةً وتصليحات وتكاليف لإصلاح السيارات وهي جرائم بكل المقاييس تستوجب المحاسبة والمساءلة!، وسؤالي هنا في هذا الملخص الوجيز هل يرى أحد علامة حب أو شفقة من النظام لهذا الشعب؟!!! وهل كان الهدف إصلاح ما أفسده التزوير أم انتقامًا ممن تسببوا في التزويرِ وفضحوا نظام حكم أمام العالم بلا هوادة أو رحمة؟!
يا ترى ما هي الأسباب الأخرى التي تجعل نظامًا يملك كل شيء- ولا يسمح لشعبه بالحد الأدنى من الحياة الكريمة- يكره هذا الشعب بمثل هذه الصورة التي نراها في الشوارع وأقسام الشرطة وداخل السجون، بل وفي المصالح الحكومية التي يسيطر عليها الفساد والاستبداد؟!!! ليست القضية في محافظ مسئول جاء هنا أو هناك، فالسياسة والمنهج والأداء واحد لن يتغير ومن شبَّ على شيء شاب عليه!! لكن المشكل متى نستشعر نحن أبناء الوطن حب المسئول- أي مسئول- لهذا الشعب وهو يخدمه؟! وأعتقد أن أيَّ مسئول لن يشعر بالحبِّ نحو الوطن والمواطن إلا إذا استشعر هو أولاً أنَّ مسئوليته عبادة وأمانة، وأنه مُكلِّف لخدمةِ هذا الشعب وأنه مدين بوجوده في منصبه لخيارهم، فقط بهذه النية وتلك الآلية سنجد حاكمًا يحب شعبه ولا يستهين بهم ولا يهينهم بل هم محط نظره ومحل اهتمامه، فاللهم إن كانت لي دعوة صالحة مستجابة فاجعلها للحاكم- الذي يستحقها- فإن الله يهدي به خلقًا كثيرًا، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
----------------