د. إبراهيم عوض

 

جورج بوش (1796- 1859م) الذي نتكلم عنه الآن هو أحد أجداد الرئيس الحاليّ للولايات المتحدة الأمريكية (وفي رواية أخرى: أحد أقاربه القدماء)، وكان واعظًا قسيسًا، وأستاذًا للغة العبرية والآداب الشرقية بجامعة نيويورك، وترك وراءه عددًا من الدراسات التي تدور حول أسفار العهد القديم، إلى جانب الكتاب الذي وضعه في سيرة سيد الأنبياء والمرسلين بعنوان "The Life of Mohammed; Founder of the Religion of Islam, and of the Empire of the Saracens"، وهو الكتاب الذي نتناوله هنا بالدراسة، والطبعة التي في يدي هي طبعة "Harper and Brothers, New York,1844". ويحتوي هذا الكتاب على سردٍ لأحداث السيرة النبوية وتحليلٍ لشخصية النبي- صلى الله عليه وسلم- من وجهةِ نظرٍ عدائية ترى فيه عليه السلام دجَّالاً دعيًّا وإنسانًا خاطئًا أثيمًا وهرطيقًا نصرانيًّا هيَّأ الله له الظهور وعبَّد له سبيل الدعوة إلى دين جديد يُضِلُّ به النصارى الذين انحرفوا عن سواء السبيل كي ينتقم سبحانه منهم إلى أن يَفِيئوا لسابقِ عهدهم، وعندئذٍ يتفكك المسلمون من الداخل ويسقطون من عليائهم ويتركون دينهم ليلتحقوا بدين الصليب الذي يؤلِّه عيسى عليه السلام! وقد ألحق المؤلف بكتابه عدة فصول عن الكعبة والقرآن الكريم ومبادئ الإسلام، إلى جانب تفسيره لنبوءة دانيال ورؤيا يوحنا اللتين يرى فيهما إشارة رمزية إلى الإسلام ورسوله وأتباعه بالمعنى الذي سلفت الإشارة إليه، وكذلك ألوان الأذى التي أَوْقَعَها ولا يزال يُوقِعها دينُ محمد بالكنيسة ورجالها ورعاياها حَسْبَ زعمه الكاذب.. إلى أن يقدِّر الله لها أن تعود عن ضلالها الذي ارتكستْ فيه، وساعتَها يتم سقوط المسلمين من الداخل ويهجرون دينهم ويدخلون دين الثالوث، ولا يعود ثمة إسلام ولا يحزنون بعد أن أدَّى المهمةَ التي أوجده الله من أجلها. وسوف يكون كلامي هنا عن النبوءة الدانياليّة والرؤيا اليوحانيّة والطريقة التي أوَّلهما بها الكاتب. ومعروف أن كل شيء في الكتاب المقدس يحيط به شك كبير: بدءًا من شخصية كاتب السِّفْر، ومرورًا بالتاريخ الذي كُتِب فيه، وصحة نصه ووثاقته، واللغة التي أُلِّفَ بها، بالإضافة إلى تحديد المعاني التي يتضمنها في غير قليل من الأحيان...إلخ. ولسنا نحن وحدنا الذين نقول هذا، بل يقوله علماؤهم وباحثوهم وكثير من رجال دينهم. ولن نذهب بعيدًا في التدليل على كلامنا هذا، فالناظر مثلاً في التمهيدات التي تُفْتَتَح بها أسفار الكتاب المقدس في الترجمة الكاثوليكية، وكذلك التعليقات المثبتة في آخر كلٍّ من العهدين القديم والجديد، يجد مصداق ما نقول. ورغم ذلك، ورغم ما تتصف به نبوءات الكتاب المقدس عمومًا، وهاتان النبوءتان على وجه الخصوص، من غموضٍ مُرْهِقٍ وعموميةٍ فضفاضةٍ تجعلهما تقبلان أي تفسيرٍ يميل إليه هوى المفسِّر، فإن الكاتب يتناول النبوءتين المذكورتين بجِدٍّ دونه كل جِدّ بغض النظر عمَّا تتسم به الطريقة التي يتبعها في التأويل من سذاجةٍ وطفوليةٍ وتناقضٍ مضحكٍ ونزعةٍ عاميّةٍ خرافيةٍ تُدَابِر العلمَ ومنطقَ العقل، فضلاً عن عدم جَرْيه في هذا التأويل على وتيرة واحدة، إذ تارةً ما يأخذ الكلامَ في النص على الحقيقة، وتارةً ينظر إليه على أنه مجاز. وسوف أبدأ بنبوءة دانيال، وهي النبوءة التي يشتمل عليها الإصحاح الثامن من السفر المسمَّى باسمه. ولكن قبل ذلك يستحسن أن أسوق نبوءة أخرى لذلك الرجل تعطينا فكرة عن طبيعة السِّفْر وما يسوده من غموض وعَثْكَلة وصعوبة فادحة ينوء في مواجهتها العقل. وهي تغطِّي الفصل السابع من ذلك السِّفْر، وهذا نَصّها: "فِي السَّنَةِ الأُولَى لِبَيْلْشَاصَّرَ مَلِكِ بَابِلَ رَأَى دَانِيالُ حُلْمًا وَرُؤَى رَأْسِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، حِينَئِذٍ كَتَبَ الْحُلْمَ وَأَخْبَرَ بِرَأْسِ الْكَلاَمِ* قَالَ دَانِيالُ: كُنْتُ أَرَى في رُؤْيَاىَ لَيْلاً، وَإِذَا بِأَرْبَعِ رِيَاحِ السَّمَاءِ هَجَمَتْ عَلَى الْبَحْرِ الْكَبِيرِ* وَصَعِدَ مِنَ الْبَحْرِ أَرْبَعَةُ حَيَوَاناتٍ عَظِيمَةٍ، هَذَا مُخَالِفٌ ذَاكَ* الأَوَّلُ كَالأَسَدِ وَلَهُ جَنَاحَا نَسْرٍ. وَكُنْتُ أَنْظُرُ حَتَّى انْتَتَفَ جَنَاحَاهُ وَانْتَصَبَ عَنِ الأرض وَأُوقِفَ عَلَى رِجْلَيْنِ كَإِنْسَانٍ وَأُعْطِىَ قَلْبَ إِنْسَانٍ* وَإِذَا بِحَيَوَانٍ آخَرَ ثَانٍ شَبِ