لا خلافَ في أننا نعيش حاليًا عصر الأمركَة، أي عصر "القولبة الأمريكية" التي تُغطي وجهها بقناع اسمه "العولمة" فقد زعم الأمريكان وأذنابهم أنَّ هدفها بناء عالم جديد على نظامٍ يُحقق العدالة والديمقراطية والرفاهية لشعوب العالم كلها، وتحقيق مثل هذا النظام يحتاج تطبيقه إلى راعٍ قويٍّ متابع، ولا يتمثل بالطبع، إلا في الولاياتِ المتحدة الأمريكية.
وعمليًَّا اتجهت الأمركة إلى الشعوبِ العربية والإسلامية لتشكيلها على "قالب الإرادة الأمريكي" سياسةً واقتصادًا وتثقيفًا، وتربيةً وتعليمًا.
ابحث عن الحكام
وكانت استجابة حكامنا للسياسة الجديدة أسرع مما تطمع فيه الولايات المتحدة نفسها، وأصبح همّ هؤلاء الحكام أن يتسابقوا في إصدار التصريحات التي ترضي "الأب بوش"، وتدلّك عواطفه، فلا يرون إلا بعينيه، ولا يرددون إلا صوته، من ذلك إعلانهم- في إصرار- أن "خارطة الطريق" هي الخطوة المثلى لحل مشكلة فلسطين حلاًّ عادلاً، ومن ذلك الدعوة إلى إيقاف العنف "المتبادل" بين الصهاينة والفلسطينيين، وهذا يعني التسوية بين إرهاب مُعتدٍ دموي فاجر، وجهادٍ مدافعٍ عن عرضه وأرضه، وأهله.
ووصلت الوقاحة بأحدهم إلى حدِّ مطالبة الولايات المتحدة بإنشاء قواعد لها في العراق بصفةٍ دائمةٍ وبطمأنينة تحسد عليها أصبح الكيان الصهيوني صاحب أطول ذراع، وأقوى قوة عدوانية قذرة في المنطقة كلها.
تجفيف المنابع
والتزامًا بمتطلبات "الأمركة" أدخل الأمريكان ومواليهم في حياتنا مصطلح "تجفيف المنابع"، بإغلاق المدارس الدينية في باكستان واليمن، وخنق الأصوات الإسلامية، وتعديل المناهج التعليمية بما يتفق مع الإرادة الأمريكية، وخصوصًا المواد الشرعية، ووصلت الوقاحة بالأمريكان إلى حدِّ مطالبة الحكومة السعودية بالتوقفِ عن طبع المصحف وتوزيعه.
وفي المناهج التعليمية الجديدة لم يعد هناك مكانٌ لآياتِ الجهاد، ولا لمواقفِ النبي- صلي اللّه عليه وسلم- من غدر قبائل اليهود، كبني قينقاع وقريظة والنضير وخيبر، وحذف ما يمكن أن يكون فيه إثارة في نظرهم. وأكتفي بمثالٍ واحد: في درس بعنوان "صفات المؤمن" في كتابٍ من كُتب التربية الدينية ببلدٍ عربي جاءت العبارة الآتية: "ومن صفات المؤمن إذا أحبَّ فلا يحب إلا لله، وإذا أبغض فلا يبغض إلا لله..."، وفي الطبعة الجديدة من الكتاب حُذًفت الجملة الثانية، وبقيت الأولى، وغير ذلك كثير وكثير.
الحفاة.... العراة..
وفتحت وسائل الإعلام المرئي، والمسموع والمقروء أبوابها- على الواسع- لأدعياء الثقافة والتنوُّر والتنوير ليفرغوا ما في جعبتهم استجابةً "للأمركة"، وأغلبهم- للأسف- يتمتعون بالحفاء العقلي، والتعري أو الانسلاخ من القيم الخلقية، والولاء للعقيدة والوطن.
وباسم حرية التفكير والتعبير أعلنوا الحرب على الثوابت الإسلامية والقيم المثالية الموروثة، وعُقدت ندوات ولقاءات ومؤتمرات تولى كِبْرها العلمانيون الذين أطلقوا على أنفسهم وصف "المثقفين" أو "التنويريين"، وأطلقوا على أمثالنا وصف "الظلاميين"، وكان من أشهر أنشطتهم ما أُطلق عليه "إعلان باريس حول سبل تجديد الخطاب الديني" الذي تمخَّض عن لقاءٍ نظَّمه مركز القاهرة لحقوق الإنسان، وعُقد بالعاصمة الفرنسية، وقد تمَّ ترتيب اللقاء بالتعاون مع الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، والشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان بدعم من الاتحاد الأوروبي.
وتحت عنوان "تجديد الخطاب الديني" علت أصوات الحفاة العراة، وخططوا، وأفتوا بما يجب أن يكون عليه الإسلام في "عصر العولمة" أعني الأمْركة:
1- فمنهم مَن دعا إلى إسقاطِ السنة النبوية من التعامل التشريعي، والتقييم النصي، والاكتفاء بالقرآن، وقد رأيتُ واحدًا من هؤلاء، وهو ينفخ نفسه، ويقول في قناةٍ مصريةٍ رسمية: "نعم.. نعم علينا أن نُؤمن بالآيات، ونسقط الروايات" (يعني السنة).
2- ومنهم مَن دعا إلى التعاملِ مع الآياتِ القرآنية كنصوصٍ تاريخية، تخضع للنقد (بلا تقديس)، ولا مانعَ من أن يُحذف من القرآن "ما يتعارض مع المعطياتِ العلمية والتقنية"، على حدِّ كذبهم.
3- ومنهم مَن يذهب إلى أنَّ القرآنَ من وضعِ محمد، ولا علاقةَ له بالوحي، فهو مجموعة من النصوص البشرية، لا حرجَ في نقدها.
4- ومنهم مَن يُطالب بتقييمِ أحداث السيرة النبوية بعقلانيةٍ وحريةٍ وواقعية، وتنقيتها- على حدِّ افترائهم- من الخرافاتِ والأساطير.
وهؤلاء الأدعياء الحفاة العراة الذين وضعوا أنفسهم في مكانةِ العلماء الأفذاذ لا يرتكزون، ولا ينطلقون من ركائز علمية صحيحة، بل لا يملكون الحدَّ الأدنى من التخصص العلمي الذي يزعمون أنهم استوفوا كل مفرداته وزيادة، إنهم في حفائهم وعريهم يذكرونني بقول الشاعر:
لقد هزلتْ حتى بدا من هُزالها كُلاها وحتى سامها كل مُفلسِ
مثال من تجديدهم؟؟
صحيفة قاهرية نشر فيها أحد المغامير- وهو يحمل اسمًا إسلاميًّا- مقالاً نفى فيه أن يكون "الإسراء" قد تمَّ من مكة إلى بيت المقدس، ولكن الآية: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى...﴾ (الإسراء: 1) تشير إلى هجرةِ النبي- صلي الله عليه وسلم- من مكةَ إلى المدينة، وادعى "المغمور" بذلك أنه يطرح تحليلاً جديدًا للنصِّ القرآني.
وبعد أسبوعين نشر المغمور مقالاً تجديديًّا آخر- كما يزعم- نرى أن نقدم منه المقتطفات الآتية:
"احتُلت فلسطين من قِبل المسلمين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وبدأ الناس في فلسطين في ذلك الوقت اعتناقهم الإسلام.. ترى كيف نتصور وجود مسجد في فلسطين في زمن النبي محمد (أي قبل احتلال فلسطين من قِبل المسلمين) سواء سُمي ذلك بالمسجد الأقصى، أو خلافه"؟
"إن تغيير القبلة من القدس إلى المسجد الحرام في مكة جاء دليلاً على أنَّ القدس لم تعد مركز العبادة لأتباع النبي- صلي الله عليه وسلم-.. ومن ثَمَّ لم تعد تستحق الاحترام من جانبِ المسلمين، وإذا لم يُفهم الأمر على هذا الأساس فإن تغيير القبلة لا يحمل في طياته أي معنى".
ويمضي المغمور في هذا الهراء فيرى أن الذي بنى المسجد الأقصى هو عبد الملك بن مروان ليجذب المسلمين إليه بعد أن استقل عدوه عبد الله بن الزبير بالسيطرة على مكة، ومنع عبد الملك الحج (أي أنه قام بعملٍ يُماثل ما قام به أبرهة الأشرم صاحب الفيل- من بناء كنيسة ليحج إليها العرب بدلاً من الكعبة)؛ لذا شرع عبد الملك بتشييد جامعٍ كبيرٍ في القدس، الذي كان بمثابة القبلة الأولى.. ومنذ ذلك الحين بدأت تظهر تقاليد لإعلاء شأن الأهمية الدينية لهذا الجامع، وتحويله إلى ثالث الحرمين".
ترى لو أنَّ وايزمان، أو بن جوريون، أو شارون تناول هذا الموضوع.. أكان يكتب أشنع وأخس من هذا الكلام الذي أفرزه هذا المغمور الحافي العاري الذي يحمل اسمًا إسلاميًّا؟!!
---------