د. حلمي محمد القاعود

 

بقلم: د. حلمي محمد القاعود*

تصوَّرتُ أن مكتبة الإسكندرية حين أُنشئت ستكون ملتقى لحركةِ الفكر الحي الخلاق، وستجذب آلاف القراء والطلاب والباحثين، وتبث فيهم رُوح الدأب والإصرار لتخريج نخبةٍ أخرى، ممتدة وعريضة، تملك العلم والوعي والتسامح الحقيقي!

 

خاب تصوُّري، فقد جاءت مكتبة الإسكندرية في إطار "خواجاتي"؛ حيث تدار بمنطق الخواجة في بلادٍ مستعمرة، ينبغي على أهلها أن "يستحموا" قبل أن يقتربوا من ساحتها "العنصرية"، وأظنها المكتبة الوحيدة في العالم، فضلاً عن مصر التي تضع رسم دخول، وهو ما لا يستطيعه طالبٌ فقيرٌ في إحدى كليات الجامعة المجاورة لها، فضلاً عن عامة الناس.

 

يُدير المكتبة "خواجة" حقيقي وإن كان يتكلم العربية، وينتسب إلى أهل مصر، والدليل على ذلك استقطابه للنخب المتغربة التي تحب الغرب الاستعماري المتوحش، وتكره الإسلامَ دين الأمة ومعتقدها، ومذ بدأ تجربته، فلم نرَ له أي تعاطفٍ مع الفكرةِ الإسلامية أو مجرَّد تناولها تناولاً علميًّا محايدًا من خلال نشاطات المكتبة التي تتواصل باستمرار، وتتبنى مقولات معادية تمامًا للثقافةِ الإسلامية ومعطياتها.

 

ألوان الطيف الفكري في مصر والعالم العربي، تجد لها حضورًا مكثفًا في مكتبة الإسكندرية باستثناء الطيفِ الإسلامي، الذي صار يتيمًا في دائرةٍ تغريبيةٍ متعصبة متعالية، ترفض التسامح مع الإسلام، وتُقرنه بالظلمِ والظلام والتخلف! وتردد المقولات التي يرددها قادة العالم الصليبي الاستعماري المتوحش، وقادة النازية اليهودية الغازية في فلسطين المحتلة!

 

رأيت مؤخرًا على شاشة (الجزيرة مباشر) صديقي اللدود "جابر عصفور" أمين المجلس الأعلى للثقافة، وأحد كُتَّاب السلطة المهمِّين يُقدِّم ندوةً ثقافيةً في مكتبة الإسكندرية بعنوان "حرية الفكر" فأشار إلى أن تنظيم الندوة ضم مختلف رموز الحركة الفكرية في مصر، بما فيهم اثنان يُمثلان ما يُسميه "الفكر الديني"!.. أحدهما يساري معروف يعمل أستاذًا للفلسفة في جامعةِ القاهرة، والآخر عالم سلطة وفقيه شرطة من جامعة الأزهر.

 

والاثنان من وجهةِ نظر جابر عصفور يكفيان في التعبيرِ عن الرؤيةِ الإسلامية للحرية في المفهوم الإسلامي، أحدهما كما يرى جابر- يمثل التجديد والتقدم، والآخر يمثل المحافظ والقديم.

 

وبالطبع فوجود هذين الشخصين لا يكفي لتوضيح الرؤية الإسلامية في هذه القضية الخطيرة، ولا يُعبِّر أصلاً عن حجمِ أنصار هذه الرؤية الذين يُمثلون الأغلبية الساحقة في المجتمع المصري.. ولكنَّ المسألةَ كما يبدو جاءت ذرًا للرمادِ في العيون، حتى لا تُتهم الندوة ومنظموها بالتعصب والانحياز وعدم التسامح!

 

وكنت أتمنى لو لم يمثل الفكر الإسلامي أساسًا في هذه الندوة، فوجود هذين الشخصين، لم يُقدِّم الرؤية الإسلامية لحريةِ الفكر، بقدر ما أساءَ إلى الإسلامِ ذاته، وإلى الذاتِ الإلهية نفسها.

 

فالشخص اليساري راح يتفلسف، ويتهم الإسلام بما ليس فيه، ورأى أنَّ بعضَ الأسماء الحسنى للذات الإلهية مثل المتكبر، الجبار، المهيمن، تُعبِّر عن ديكتاتوريةٍ لا تتفق والديمقراطية، وأنَّ الجهادَ في الإسلام يُعدُّ عُنفًا لا مُسوِّغَ له، وأنَّ آياتِ القرآن الكريم حافلةٌ بالتناقضات.

 

ومع أنَّ غالبية الحضور لا ينتمون إلى التصورِ الإسلامي، فإنهم رأوا أن الفيلسوف الماركسي تجاوز الحدود، وخرج عن منهجِ العلم والبحث المنهجي؛ وساد الغضب أرجاء الندوة؛ لدرجة أن البعض رأى أن يهبط الفيلسوف الماركسي عن المنصة، ويكفَّ أراجيفه وأباطيله، ولكن "خواجا" المكتبة "المستنير" ساند "الماركسي المتفلسف" وأبقى على فيلسوفه رغمًا عن الناس!