بقلم: السفير د. عبد الله الأشعل
بلغت البربرية الصهيونية في لبنان درجةً عاليةً من حيث حجم الدمار والحقد الذي دمر به الكيان الصهيوني لبنان لمجرد أن في لبنان حزب الله، والذي أصبح كابوسًا يؤرق الكيان في صحوه ومنامه.. والحق أن هذا الكيان يواصل استباحة الدم العربي دون خشية من أحد منذ قيامه حتى الآن، وبصرف النظر عمَّا يقدمه الكيان من ذرائع، فإنَّ جرائمه في لبنان تشكل أساسًا متينًا لمساءلته من الناحيتين المدنية والجنائية.
وهناك عددٌ من الأسبابِ التي تدفعه إلى هذا السلوك الوحشي، أول هذه الأسباب هو طبيعة الكيان ومشروعه السياسي الذي يقوم على اغتصابِ حقوق الغير، وأما السبب الثاني في وحشية الصهاينة فهو استضعاف الدول العربية واستذلالها سياسيًّا وعسكريًّا، وتفكيك نظرية الأمن القومي العربي مما دفع الرئيس مبارك إلى التأكيد أنَّ جيشَ مصر هو للدفاع عن مصر وحدها.. وكان لهذا التصريح أهمية بالغة لصالح الكيان الصهيوني في حساباتِ القوة الممكنة أو المحتملة في الصراع.
أما السبب الثالث فهو المساندة الأمريكية المطلقة والحماية المطلقة للكيان الغاصب من جانب واشنطن والتباهي بأنها تشحن صواريخ أشد فتكًا حتى تنهي "إسرائيل" تدمير لبنان بشكل أشد إحكامًا وإيلامًا.
وأما السبب الرابع للوحشية الصهيونية فهو إيمان الكيان بأن إرهاب العرب يضمن له خضوعهم للمشروع الصهيوني.
وقد تغاضت الدول الرئيسية في العالم عن بربرية الصهاينة، وأكدت قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى، والاتحاد الأوروبي، وكذلك روسيا أن الكيان الصهيوني يستخدم حقه في الدفاع الشرعي، وإن لاحظ البعض مبالغته في رد الفعل ووصمه بعدم التناسب، ولكن أحدًا لم ينازع في هذا الحق للكيان، أما مجلس الأمن فقد اعترف ضمنًا بنظرية الدفاع الشرعي لدى الكيان؛ حيث أكد في قراره 1701 أنَّ هجومَ حزب الله داخل الكيان وخطف الجنديين الصهيونيين هو السبب في رد الفعل، وأنَّ الحزبَ مسئولٌ عمَّا أصاب لبنان والكيان من دمار.
وكاد القرار أن يحمل الحزب أيضًا مسئولية التعويض عن هذه الأضرار، وتقديم قيادة الحزب للمحاكمة الجنائية الدولية بسبب هذا العدوان، لولا أن الصهاينة تعهَّدوا بتعقبِ حزب الله والقضاء عليه في أي زمان ومكان.
وكان رئيس وزراء لبنان قد أعلن بعد أيام قليلة من بداية الحرب أي يوم 16/7/2006م أن لبنان سيطالب الكيان الصهيوني بالتعويض عن تدمير لبنان، ولكن الموقف الرسمي اللبناني تجاهل بعد ذلك هذا المطلب وانشغل بالتركيز على وقف الإبادة.
من ناحيةٍ ثالثة، أدان مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تقرير مهم صدر في 11/8/2006م ما قام به الكيان الصهيوني من انتهاكاتٍ وقرر إنشاء لجنةً لتقصي الحقائق لتوثيق هذه الاتهاكات، ولا أظن أن هناك شكًّا في أن الكيانَ قد انتهك سيادة لبنان وفرض عليه حظرًا بحريًّا وجويًّا وبريًّا، وقطع جسورها وحطم وسائل الاتصال بين شعبها وأنزل الرعب بالهجمات الجوية وآلاف أطنان القنابل على الأحياء السكنية، وتعقب مَن ينجو من هذه الغارات، واحتقر كل القواعد الحاكمة لسلوك المحارب والفئات المحمية، بحيث يمكن القول إن الإبادة العمدية للبنان وسكانه لأكثر من شهر دون أن يكون هناك هدف سياسي أو أهداف عسكرية مستهدفة يجعل جرائم الكيان فادحة؛ فهو ارتكب جريمة العدوان على لبنان، وجريمة الإبادة الجماعية، خاصةً فيما يبدو بالنسبة للشيعة، حيث يعتقد أن كل الشيعة في لبنان ينتسبون إلى حزب الله؛ ولذلك ركَّز هجماته الجوية ومتفجراته على الضاحية الجنوبية في بيروت وعلى جنوب لبنان.. كذلك ارتكب جرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية، ولا يغير من هذا الوصف ما ورد بقرار مجلس الأمن من إلقاء مسئولية الحرب وآثارها المدمرة على حزب الله وإعفاء الكيان الصهيوني.
فلم يكن الجيش الصهيوني يقاتل جيشًا لبنانيًّا، فاختلط العسكريون بالمدنيين، وكان هذا التداخل سببًا في عدم القدرة على التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية؛ بل إنَّ الكيان كان يتعمد تدمير لبنان حتى يحرج حزب الله فينقلب عليه اللبنانيون، وكلما زادت آثار التدمير زاد الضغط السياسي والعصبي على حزب الله في لبنان.
وفي حروبِ العدوان، فالمعلوم أن كل عملٍ عسكري غير مشروع، ولا ينازع أحد في أن انفراد الطائرات الصهيونية بالصواريخ والقنابل بسكان لبنان، هو مجرد ذريعة بأن الكيان الصهيوني يريد أن يرغم حزب الله على الإفراج عن الجنديين، وأن إبادة لبنان من شأنه أن يشعر حزب الله بالآثار المدمرة لعمله، وقد افترض مجلس الأمن أن خطف الجنديين في عملية عسكرية داخل الكيان الصهيونب عدوانٌ عليه، ومعنى ذلك أن مجلس الأمن قد تجاهل استباحة الصهاينة لكل الأراضي اللبنانية كل يوم واحتلال أراضٍ لبنانية، كما تجاهل مجلس الأمن التصريحات الصهيونية والأمريكية؛ لأن خطف الجنديين كان ذريعةً مناسبةً لتطبيق الخطة الجاهزة منذ أشهر.
ومهما جادل الصهاينة، فإنَّ الكيان يتحمل المسئولية القانونية عمَّا حدث في لبنان وهي مسئولية مدنية تستوجب التعويض، كما أنها مسئولية جنائية تستوجب المساءلة الجنائية والمحاكمة، أما أركان هذه المسئولية فهي واضحة، وهي الركن المادي فيما تمَّ توثيقه من الأعمال الصهيونية البحرية والبرية والجوية وهي موثقة لدى الجيش الصهيوني والقيادة السياسية؛ حيث أشير إلى عددِ الطلعات الجوية وأطنان القنابل وأعداد الصواريخ.
أما الركن المعنوي فيتمثل في تعمد الكيان تدمير لبنان، وهو سلوك لفت نظر الجميع ومنهم الرئيس شيراك الذي اتهم الكيان الصهيوني بذلك، وتلحق الإدانة أيضًا في هذا المقام القيادة السياسية الأمريكية وأعضاء مجلس الأمن الذين استجابوا للنزوات الصهيونية في منح الجيش المزيد من الوقت لمزيدٍ من الدمار، وارتكاب المزيد من الجرائم.
فالأساس الأول للمسئولية المدنية والجنائية للكيان الصهيوني في لبنان هو عنصر الخطأ وهو انتهاك أحكام القانون الدولي العام والدولي الإنساني والدولي لحقوق الإنسان. أما الأساس الثاني لمسئولية الكيان فهو عنصر الضرر الذي لا تخطئه العين والدمار الواسع غير المسبوق والمعاناة الإنسانية التي يعجز عنها الوصف؛ فالجرائم الصهيونية ثابتة والقانون الدولي قائم، وبقي أن ترفع الدعوى أمام محكمة العدل الدولية وحبذا لو رفعتها جامعة الدول العربية وجميع الدول العربية فرادى تضامنًا مع لبنان، حتى تتاح للمحكمة أن تفصل لأول مرة في نزاعٍ قانوني بين إحدى الدول العربية و"إسرائيل".
ومن الواضح أن كافة الدفوع التي برر بها الكيان هذه الجرائم وخاصةً خاصية الدفاع الشرعي سوف ترفضها المحكمة، حيث سبق أن أصدرت المحكمة العالمية رأيها الاستشاري في التاسع من يوليو 2004م ضد "إسرائيل" في قضية الجدار العازل، وفي هذا الرأي رفضت المحكمة الدفوع الصهيونية حول الدفاع الشرعي عن النفس، وأكدت على ضوابط هذا الحق في ميثاق الأمم المتحدة، ومن المحقق أن المحكمة سوف ترفض نفس الدفع في لبنان ومن المعلوم أن الكيان الصهيوني يوظف نظرية الدفاع الشرعي توظيفًا سيئًا أخرج تصرفاته تمامًا من إطار هذا النظرية.
وسوف يُتاح للمحكمة أن ترى الفنون القانونية التي ابتدعها الصهاينة في هذه النظرية، وقد سبق للكيان أن ابتدع نظرية الدفاع الشرعي الوقائي الذي يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ نظرية الرئيس بوش التي أعلنها بمناسبة حربه على الإرهاب، كذلك أعلن الكيان أنه دمَّر لبنان بموجب نظرية الدفاع الشرعي العقابي أو الانتقامي، وهي نظرية لا تمد بصلة إلى القانون الدولي المعاصر، والذي يؤكد على أن الدفاع الشرعي يقع على النقيض من الإجراءاتِ الثأرية أو الانتقامية أو الرد بالمثل.
ورغم أن المحكمة سوف تجد صعوبةً في تأكيد اختصاصها في نظر الدعوى بسبب التحفظات الصهيونية في إعلان قبولها للاختصاص الإلزامي للمحكمة، فإنَّ رفعَ هذه الدعوى يمثل خطوةً هامةً لإحراجِ الكيان الصهيوني وتسليط الأضواء على همجيته في العالم العربي.. وإذا أُتيح للمحكمة أن تنظر هذه القضية فسوف تكون تلك هي المناسبة الثانية بعد قضية لوكيربي التي تتصادم فيها المحكمة مع مجلس الأمن، حيث تستعرض المحكمة تفسير المادة 51 من الميثاق وتقدم تقييمًا للمضمون القانوني لما ورد بقرار المجلس رقم 1701، وبعبارة أخرى، فإنَّ المحكمةَ سوف تناقش كافة التحديدات القانونية التي تضمنها القرار حول المسئولية القانونية ومضمون الهجوم وضوابط الدفاع الشرعي.
وأخيرًا، فقد تورَّط الأمين العام هو الآخر في تفسير المادة 51 وقرر أن الكيان الصهيوني يمارس حقَّ الدفاع الشرعي وفق هذه المادة، في هذه المناسبة، سوف يتاح للمحكمة أن تقرر أولاً مدى سلطة الأمين العام في تفسير الميثاق، ومدى توفيقه في إصدار هذا الموقف في ظرفٍ دقيقٍ ومدى سلامة هذا الموقف، وسوف تقرر المحكمة أيضًا أنها وحدها- عند الخلاف- تختص بتفسير أحكام الميثاق وليس للأمين العام أن يخالف ما قررته المحكمة عشرات المرات في شأن المادة 51، وكان آخرها ما أكدته المحكمة في قضية الجدار العازل عام 2004م كذلك سوف تقرر المحكمة أن مجلس الأمن جهاز سياسي لا يصنع القانون الدولي بقراراته، وإن كانت قراراته الصحيحة وفق أحكام الميثاق تتمتع بالإلزام، وقرارات المجلس جميعًا أدنى مرتبةً من مبادئ القانون الدولي.. إذْ يستطيع مجلس الأمن أن يُوصي الأطراف المتنازعة بوسائل التسوية السلمية، ولكن المجلس لا يملك سلطة التقرير بتكييف التصرفات القانونية؛ فقد أخطأ المجلس فيما تركه من انطباعٍ بأن خطف حزب الله للجنديين الصهيونيين يعتبر هجومًا يبرر كل التدمير الذي قام به الكيان الصهيوني.