د. جمال نصار

 

بقلم: د. جمال نصار

الإدارة الأمريكية من حينٍ لآخر تريد أن تؤكد أنها المهيمنة والمسيطرة على العالم بأفعالها وممارساتها وخصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، فمرة تقول شرق أوسط كبير ثم واسع، وكان آخرها ما ورد على لسان وزيرة خارجيتها "كوندوليزا رايس" أننا نريد شرق أوسط جديدًا، و"الشرق الأوسط الجديد" الذي تدعو إليه رايس هو تكرار للعبارة التي استخدمتها الإدارة الأمريكية مع بدايةِ الحرب والتي اعتبرها محللون دعوة لإقامة شرق أوسط "منزوع المقاومة والهوية، كأنَّ منطقتنا قطعةٌ من القماش أو عباءةٌ ترتديها الإدارة الأمريكية بلا حسابٍ أو منطق، وبالطبع المقصود أن يكون شرق أوسط بلا مقاومةٍ أو رجالٍ أو نهضة، أو تطور، تابع لكل ما هو صهيوأمريكي لا تستطيع دوله أن ترتفع إلى مصافِّ الأمم المتقدمة التي تدافع عن نفسها ويُسمع لها ويكون لها حساب في المحافل الدولية، وهذا جعل أيضًا "جون بولتون" سفير الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة يُعلن أنه يسعى لحذف 75 مادة من نصوص الأمم المتحدة، طبعًا لصالح مخططهم الخبيث، كأنَّ المنظمةَ الدوليةَ كتابٌ من تأليفه.

 

وحينما تأمَّلتُ هذا الوضع قلتُ: سبحان الله! أيكون لهذا الشتات الذي تجمَّع في العام 1776م أي منذ 230 عامًا فقط، كل هذه السيطرة مع عدمِ وجود تاريخٍ يُذكر بالمقارنة بتاريخنا وحضارتنا؟!!

 

جال بخاطري عدة أمور تهمنا في هذا السياق منها:

1. أنه عندما نادى جورج دبليو بوش صبيحة 11 من سبتمبر بأن "أمريكا يجب أن تحكم العالم" لم يكن ذلك رد فعلٍ يتسم بالغرور فقط، ولكنه يؤكد مرةً أخرى القانون الأساسي للعقيدة الوطنية الأمريكية، هذا المفهوم الذي لخص به السيناتور "ألبير بيفريدج" الطبيعة الآسرة لتلك العقيدة، وذلك عندما أعلن عام 1898م- وهو العام الذي أخرجت فيه واشنطن أسبانيا الكاثوليكية من كوبا والفلبين- أنَّ "الله جعل الأمريكان السادة المنظمين للعالم، من أجل إقامة النظام عندما تسود الفوضى"؛ أي أنهم يتعاملون معنا من خلال عقيدةٍ راسخةٍ لديهم، ويعتبرون أنفسهم منقذي العالم من الفوضى والشرور!! لله الأمر.

 

2. طريق تعامل الأنظمة العربية مع هذه الإدارة يُبنى على المصالح الشخصية التي تعود على هؤلاء الحكام بالنفعِ الشخصي الذي يضمن بقاءهم في مناصبهم دون النظر إلى مصالح الدول التي يحكمونها، مما يدفع أمريكا إلى أن تضغط عليهم بالطرق المختلفة لتمرير مشروعها الاستعماري السلطوي في المنطقة، معتمدين على تلك الأنظمة التي تسبح ضد التيار العام لشعوبها، وعدم معرفة هؤلاء الحكام بتاريخ شعوبهم وحضارتهم، وغياب البُعد الديني عنهم والسعي بقوةٍ إلى علمنةِ الدولة.

 

3. بتتبع تاريخ تحرير الدول لم أجد في معظم الأحيان أنَّ الجيوشَ النظاميةَ قامت بتحرير دولها وخصوصًا في المنطقة العربية، والذي حمل عبء التحرير حركات المقاومة والأعمال الفدائية، مثلما حدث في ليبيا على يد عمر المختار وفي الجزائر ومصر وغيرها من الدول العربية والإسلامية، ولن يحرر فلسطين من دنس اليهود وباقي دول المنطقة من الاحتلال الأمريكي إلا المقاومة الباسلة الشريفة مثلما حدث في لبنان.

 

4. الإدارة الأمريكية تعتبر الأمم المتحدة مكتبًا تابعًا لها من خلال الضغط على الدول الأعضاء وتطويعهم للرؤية الأمريكية الصهيونية، حتى إنَّ بعضَ المحللين وصف تعامل أمريكا مع "إسرائيل" بالطفل المدلل، فالفيتو دائمًا في صالح الكيان الصهيوني، ولا يوجد اعتبار للدول الأعضاء في مجلس الأمن، وإن وجد يكون بشكلٍ ظاهري فقط، وخير دليل على ذلك ما رأيناه من تعاملِ أمريكا مع المجازر الأخيرة التي ارتكبتها الآلة العسكرية الصهيونية في لبنان.

 

5. البعض يصور أنَّ العملَ الذي قام به حزب الله من خطف جنديين لإطلاق سراح الأسرى في