د. حلمي القاعود

 

يوم أغرق الإهمال والجشع والفساد والتوحش أكثر من ألف مصري مع عبَّارة السلام 98 كتبتُ قائلاً: أيها المصري ما أرخصك؟، وكتب مئات الصحفيين والكتاب عن المأساة المروعة، وإهمال السلطة لمواطنيها، وتفشَّى الفساد ووصوله إلى أعمق أعماق الإدارة المصرية لدرجة صار معها الإنسان المصري رخيصًا، بل بغير قيمة أصلاً!

 

وظنَّ الناس أنَّ السلطةَ استوعبت الدرس، وأخذت زمام المبادرة لإصلاح الإدارة المصرية، ولكن الحال بقيت كما هي، وزاد الفساد شراسة ووحشية، وتفاقم الإهمال تجاه مصالح المواطنين والوطن، وأرواح البشر التي باتت نهبًا للموت المجاني، مع مطلع كل صباح.

 

ولم يكن حادث قطار قليوب الذي وقع صباح الإثنين 21/8/2006م إلا حلقة في مسلسل فظيع يستهدف أرواح البشر البائسين في مصر، دون أن يطرف للسلطة جفن أو يهتز لها قلب، فقد حضر المسئولون الكبار من مصايفهم وقد لوحتهم شمس الساحل الشمالي، ليقفوا أمام كاميرات التلفزيون، ويطلقوا بعض التصريحات الماسخة من عينة: الحادث خطأ بشري، نتائج التحقيقات بعد 48 ساعة، السرعة هي السبب، التعويضات: خمسة آلاف للجثة، وألف للمصاب، سوف يسأل الجميع، الرئيس يهتم بالموضوع، ويصدر توجيهاته..إلخ.

 

لا ريبَ أنَّ هذا الموقف من جانب السلطة قد تعوَّد عليه الناس، وألفوه، ومن كثرة ما ألفوه لم يصدقوه، بل رسخ في أذهانهم نظرة السلطة الاستعلائية إلى الإنسان المصري.. فهو رخيص إلى أدنى درجات الرخص والهوان، ولا قيمةَ له في الماضي والحاضر والمستقبل.. هو مجرَّد عبد، أو آلة تستدعيه عندما تكون في حاجةٍ إلى إتاوةٍ أو تمرير مصيبة، وعندما يفعل تركله إلى أعمق أعماق المذلة والهوان والعبودية.. والدليل على ذلك أنها لا تعترف بحقوقه في الحياةِ الكريمةِ الآمنة المطمئنة الحرة العادلة، كما أنها تحكمه بالحديد والنار منذ خمسين عامًا، من خلال تطبيق قوانين الطوارئ، والمحاكم العسكرية، والمحاكم الاستثنائية التي تُسمَّى محاكم أمن الدولة.. ثم إنها تبثُّ الرعب والخوف في النفوس والقلوب، فأكثرت من إنتاج النفاق والمنافقين وقبل ذلك وبعده أنشأت جيشًا قوامه مليون ومائتا ألف جندي وضابط اسمه الأمن المركزي لقهرِ الشعب وقمعه، وأنفقت عليه أكثر من ثلاثين في المائة من ميزانية الدولة، واستوردت له أحدث أنواع المعدات والأسلحة للتجسس على الناس والفتك بالمخالفين والمعارضين.. وهذا الجيش يبلغ أربعة أضعاف الجيش الذي يحمي البلاد، ويقف على الحدودِ ويواجه الأعداء والمستعمرين.

 

السلطة لا يعنيها أمر العباد، ولا حاضرهم ولا مستقبلهم، وإنما يعنيها شيء واحد فحسب، وهو استقرارها على سدة الحكم، وانتعاشها بالأموال والامتيازات والسطوة والوجاهة، لذا لا تهتم مثلاً بأكثر من خمسة وعشرين ألفًا من أبنائها ألقت بهم في السجون والمعتقلات ما يقرب من ربع قرن، كثير منهم بلا محاكمات، وكثير منهم أنهى مدة محكوميته، ولكن النظام إمعانًا في الوحشية والقسوة والزراية بشعبه يبقيهم في أعماق الظلام والحصار والبؤس والحرمان من الحرية، ضاربًا عرض الحائط بالقانون الطبيعي، والخلقي، فضلاً عن قيم الرحمة والشفقة والإنسانية.

 

النظام الحاكم لا يمكن أن يتأثر لمقتل ألف مصري غرقوا في عبَّارة يملكها واحد من رموزه، ولا 60 مصريًّا سحقهم قطار فاقد الرشد؛ لسببٍ لا يعلمه إلا الله!

 

هل إقالة المهندس حنفي عبد القوي- رئيس هيئة السكة الحديد- أو إيقاف نائبه يمثل حلاًّ لمشكلات السكة الحديد التي تفاقمت وامتدت وتوسعت؟ هل التصريحات اللزجة التي سمعناها من بعض المسئولين تطفئ نار الشعب المكلوم وأهالي الموتى والمصابين؟

 

هل التعويضات التافهة التي تجعل قيمة المتوفى أقل من ثمن "عجل" متوسط من البقر؛ تبرئ ذمة السلطة، وتُخلي مسئوليتها؟

 

لقد صرخ الناس وهم لا يعرفون كيف ينقذ