ياسر الزعاترة

 

بقلم: ياسر الزعاترة*

حين نحتفل ببعض الشهادات الإسرائيلية التي تؤكد معادلة هزيمة الدولة العبرية في المعركة الأخيرة، فنحن لا نفعل ذلك شكًا في استنتاجاتنا التي تؤكد صحة المعادلة المذكورة، ولا من أجل التعمية على شهادات أخرى مقابلة ترى العكس، بل من أجل الدفع بمعطيات أخرى بين يدي من أدمنوا جلد الأمة وحشرها في إطار الهزيمة المزمنة.

 

والحال أن قناعتنا بتراجع المشروع الصهيوني عامًا إثر آخر ليست وليدة المعركة الأخيرة، بل هي متوفرة منذ انتصار الجنوب اللبناني، أيار (مايو) عام 2000م، وازدادت تأكيدًا إثر انتفاضة الأقصى، ومن ثَمَّ قرار بناء الجدار الأمني بعد العجز أمام المقاومة، ومرورًا بالانسحاب من غزة والوعد بالانسحاب من الأراضي التي يتركها الجدار من الضفة الغربية.

 

لقد قلنا مرارًا إن على مَن يقرأون المشهد أن يتذكروا أنهم إزاء مشروع صهيوني كان يبشر أتباعه بالهيمنة على كامل المنطقة قبل عقد ونصف العقد من السنوات، فيما هو ينصب اليوم جدارًا حول نفسه بما ينطوي عليه ذلك من اعتراف بالضعف والعجز.

 

وحين عوَّل قادة المشروع على حرب العراق كمحطةٍ لإعادةِ تشكيل المنطقة على أساس المصلحة الإسرائيلية جاءت المقاومة لتنسف اللعبة، ومعها المقاومة الأفغانية إلى جانب فوز حماس والعجز عن تركيع الفلسطينيين.

 

إننا إزاء مشروع يتراجع قيادةً وقاعدةً، فعندما تمنع سلطة البث الإسرائيلية القنوات والإذاعات من بث خطابات السيد نصر الله، فيما كانت تفعل ذلك من قبل مع وصايا الاستشهاديين، فضلاً عن وداع أمهات بعضهم لهم، كما كان حال خنساء فلسطين، أم محمد فرحات. حين تفعل ذلك فهي تشير إلى ضعف مجتمعها وخوفه من المقاومة ورموزها.

 

والحال أن قراءة واعية للمجتمع الإسرائيلي كما تبدى في المعركة الأخيرة وخلال انتفاضة الأقصى إنما تؤكد أن الكيان الصهيوني لم يعد هو ذاته، لا في القمة ولا في القاعدة، فهنا ثمة مجتمع منخور بالترف والفساد كما يذهب أحد الكتاب الإسرائيليين، وهنا ثمة مجتمع متشبث بالحياة ويرتعد من الموت، في حين يبدو المشهد من الأعلى أكثر بؤسًا بغياب القادة التاريخيين على الصعيدين العسكري والسياسي.

 

مقابل ذلك ثمة مجتمع عربي وإسلامي عرف طريق الإيمان وهو مقبل على المقاومة والعطاء ولا يخشى عدوه، وبحسب أشهر المحللين العسكريين الإسرائيليين، شاؤول منشيه، فإن لديه مقاتلين يأتون إلى المعركة وهم غير معنيين بطريق العودة.

 

حول المعركة الأخيرة والشهادات التي تحدثنا عنها اختار وزير الخارجية الأسبق "موشيه أرنس" عبارة "مرثية الهزيمة" كعنوان لمقالته في "هاآرتس" يوم الأحد الماضي الذي سبق وقف إطلاق النار، فيما عنون كبير معلقي صحيفة "يديعوت أحرونوت"، ناحوم برنياع تحليله بعبارة "لم ننتصر"، حيث بدأ بالقول: "مضروبة ومصابة، متنازعة وقلقة، تسير إسرائيل نحو الإعلان عن وقف إطلاق النار".

 

أما عن اليوم التالي وما سيحدث في الساحة الداخلية فيبشر برنياع بما يسميه "حروب اليهود"، والتي يصفها بأنها "حرب الجميع ضد الجميع: الحكومة ضد هيئة الأركان، أولمرت ضد بيريتس وبالعكس، أولمرت ضد ليفني وبالعكس، جنرال ضد جنرال، نائب ضد وزير، حكومة حالية ضد حكومات سابقة..".

 

محررة الشئون الحزبية في هاآرتس وصفت الأجواء في أوساط الإسرائيليين بأنها أجواء "ارتباك وحيرة وعدم يقين وفوضى"، وهو ما انسحب على كثير من التقديرات بشأن مسار الحرب وعجز القيادة السياسية والعسكرية عن الذهاب سريعًا نحو الحرب البرية وتبديد الوقت في الضربات الجوية.

 

هكذا تندلع الحرب الدا