الذين تابعوا أحادث لبنان منذ تحرير الجنوب بالقوة المقاومة وبلا مقابلٍ لا بد أنهم كانوا يتوقعون أن هذا الدرس القاسي للكيان الصهيوني لن يسكتَ عليه؛ فقد تبيَّن له أنَّ المقاومةَ اللبنانية تهزُّ صورةَ الجيش الذي لا يُقهر الذي بُنيت عليه قصور الأحلام الصهيونية، خاصةً بعد أن خاض هذا الجيش عدة حروب ضد دولٍ مجاورةٍ للكيان وتمكَّن بالقوةِ والسياسةِ من إعلاءِ كلمته، وهو ما شجَّع واشنطن على أن تذهب بعيدًا في أحلامها في استثمارِ القوة الصهيونية لتطويع المنطقة كلها، فكانت هزيمة جيش الاحتلال في الجنوبِ عام 2000م بمثابةِ جرسِ إنذارٍ لها خشيةَ أن تضيع هيبةَ جبشها في نفوسِ الدول المجاورة؛ ولذلك خططت لاقتلاع حزبِ الله الذي نشأ أصلاً بمناسبةِ الغزو الصهيوني لبيروت عام 1982م.

 

وما دام المشروع الصهيوني الاستعماري يعتمد القوة والبطش بلا رحمةٍ كأداةٍ وحيدةٍ لإنجازه فلم يُفكِّر الصهاينة في تطوير أدواتٍ جديدةٍ بعد أن نجحوا في استخدام معاهداتِ السلام لتحييد مصر والأردن وإقناعهما بالسلام الصهيوني الذي يقول ببساطة أنَّ القوةَ تصنع الحقَّ وأنَّ مَن يملك القوةَ يملك الحقَّ في السيطرةِ والإخضاعِ، وأنَّ الجيوشَ العربيةَ جربت المواجهة وعجزت، فقبلت حكومتها بسلامٍ يتعايش في ظله الذل وضياع الحقوق مع إراقةِ الدماء التي سببتها المواجهات، وهذه صيغة بسيطة مقنعة تسندها أحداث التاريخ العربي المعاصر والنكسات العربية المتتالية، ثم أصبحت هذه الصيغة صناعة مريحة لإشاعة اليأس والتسليم، فانطلق الكيان مع أمريكا في نهبِ الحقوقِ العربية بعد أن نهشتا الكرامة العربية في العراق وفلسطين وخططا لنهشها في لبنان.

 

أما لماذا ضيَّع الكيان الصهيوني ست سنوات منذ اندحاره في جنوبِ لبنان عام 2000م، فهذا هو السؤال الذي وجهته لجنة التحقيق في أحداث لبنان والتي سوف تطيح بالطبقةِ السياسيةِ والعسكريةِ الحاكمة فيه؛ لأن خطةَ العدوان لم تكن محكمة ويجب أن يُضاف هذا الفشل إلى سجل بوش الفاشل في كل مكان.

 

والحق أن الكيان الصهيوني لم يضيع وقتًا ولم يقصر في النيل من حزب الله الذي أذله عام 2000م ثم أكمل له عقدةَ الذل التي جددت عند اليهودِ عقدة الاضطهاد التاريخية فاستحضروا بهذا الذل أسطورة نبوخذ نصر مع فارقٍ واحدٍ، وهو أن نصر الله المسلم العربي صدَّ عدوانهم وشتت شملهم وأذهب حقدهم وريحهم، أما نصر الوثني فقد اعتدى على مملكتهم وحطَّم مقدساتهم ونقلهم سبايا أذلاء بقانونِ ذلك الزمان، وقد أظهر المعاصرون منهم أنهم لا يحترمون قانونًا ولا أخلاقًا ولا يخضعون كالعبيدِ إلا للقوةِ رغم أنها قوة مشروعة.

 

لقد قطع الصهاينة شوطًا طويلاً مع الولاياتِ المتحدة في الكيدِ لأعدائهم أصحاب الحق والأرض وهم المعتدون المتآمرون فتفتق ذهنهم عن تقطيعِ أواصر العلاقة بين حزب الله وسوريا وحماس وإيران فبدأ الضغط عليهم جميعًا في وقتٍ واحد، ولكن رأس الحربة كانت سوريا عام 2003م لأنها عارضت غزو العراق وأيَّدت المقاومة ضد الاحتلال في العراق وفلسطين، وهي لغة غير مألوفة في المنطقة التي تحوَّلت فيها المقاومة للاحتلالين الصهيوني والأمريكي إلى "إرهابٍ كريه" وتحالفت دول عربية للقضاءِ على هذا الإرهاب، فبدأت المؤامرة باستصدار قرار مجلس الأمن 1559 الغريب المناقض لميثاق الأمم المتحدة في سبتمبر 2004م بعد أن تمَّ التمديد للرئيس لحود وتعديل الدستور اللبناني وفَق أحكام الدستور نفسه، وحتى الذين اعترضوا بعد ذلك على التعديل والتمديد وساهموا في استصدار القرار كانوا ضمن الموافقين ولم يعترضوا بأية صورة على التعديل والتمديد، فلا علاقةَ إذن بين التمديدِ والتعديل وبين القرار 1559، فسر هذا القرار بحيث يتصدى للأعداء الثلاثة وهم حزب الله بحله ونزع سلاحه، والعلاقة السورية مع لبنان بسحب القوات السورية من لبنان باعتبارها قوات محتلة، أما الكيان الصهيوني في نظر القرار، فقد خرج من لبنان احترامًا لقراراتِ مجلس الأمن وبشهادة الأمم المتحدة، ولما أدرك اللبنانيون المؤامرة وأن سلاح المقاومة فوق المزايدات السياسية، وأن نصر المقاومة عام 2000م هو نصر لكل لبنان، فقد أدخلوا سلاح الحزب ووضع الحزب نفسه في إطار الحوارِ الوطني، فوجدت أمريكا والكيان أن زخم تنفيذ القرار قد تمَّ استيعابه، فكان اغتيال الحريري وتسليط الغضب العارم على هذا الاغتيال نحو مفاصل القرار الرئيسية وهي الوجود السوري وحزب الله والمخيمات الفلسطينية.

 

وتصاعدت قضية الاغتيال ليحقق الاغتيال وظيفته، وبالفعل انقسم المجتمع اللبناني حول العامل السوري، واشتد الجدل بين الفريقين حتى بعد انسحاب سوريا، ولكن المؤامرة والاغتيال بدأت خطوطهما تتكشف بعد أن اتجه التحقيق إلى حصر القضية في إطارها القانوني والقضائي، فكانت الحملة الصهيونية المروعة في 12 من يوليو 2006م.. وهذا ليس استنتاجًا تحليليًّا، ولكنه للحق، ما أكده الكيان الصهيوني نفسه من أنه أدرك "تلكؤ" اللبنانيين خاصةً بعد مقتل الحريري في نزع سلاح حزب الله وأنها منحت الحكومة اللبنانية فرصة ذهبية لنزع سلاحه، والحلول محله في الجنوب وخلعه من الحياة السياسية والعسكرية ومن معادلة العلاقات اللبنانية/ الصهيونية/ السورية، بعد أن هيأت الساحة بتعكير العلاقات السورية اللبنانية وتأزيمها، واعتبار الابتعاد عن سوريا هو قمة الاستقلال وأن وجود القوات اللبنانية هو استكمال لهذا الاستقلال وبسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل التراب اللبناني.

 

ويقول الكيان الغاصب إن لبنان وحكومته لم يستفيدا من الفرصة فبادر هو بتنفيذ القرار 1559 بنفسه وأيَّدته في ذلك تصريحاتٌ أمريكية شهيرة، وأثار ذلك العجب إذ كيف يتسنى لآخر دولة في العالم لا تحترم أي قانون أن تنفذ قرارًا أحاطته واشنطن بكل صور الإجلال والشرعية، ويمثل قمة محاولات توظيف مجلس الأمن لتشويه وجه الشرعية الدولية.

 

وانطلق الإعلام الصهيوني في المجال القانوني يسوغ ذلك، ويضرب الأمثلة من حالات ومساهمات فقهية تبيح لأي دولة أن تنفذ بالقوة أي قرارٍ من مجلس الأمن، إذا عجز الغير عن تنفيذه، وتلك من البدع القانونية التي لا تنفذ في الترسانة الصهيونية.

 

معنى ذلك أن حملة إبادة لبنان هدفها القضاء على حزبِ الله بتنفيذ إسرائيل للقرار 1559 بعد أن أدركت واشنطن أن اغتيال الحريري كان طلقة طائشة لم تؤدِ إلى نزع سلاح الحزب، وظنَّ بعض السذج أن موافقة واشنطن على إدراجِ قضية حزب الله في الحوار الوطني هي إشارة إلى مهادنة واشنطن في هذه المسألة، بينما الصحيح هو أن واشنطن أرادت أن تُفجِّر هذه المسألة في الساحة اللبنانية في الوقتِ الذي يستعد فيه الصهاينة بتخطيطٍ أمريكي للانتقامِ من العدو الذي هزَّ صورته الباطشة في المنطقة.

 

ولما خاب فأله وارتد خيله وتفرق شمله انتقل إلى الوسيلة الثالثة بعد الاغتيال والتدمير وهي قرار مجلس الأمن لعله يحقق تنفيذ القرار 1559 أي القضاء على حزب الله، وحيث اعتبر رئيس الوزراء الصهيوني أن صدور هذا القرار وتركيزه على حزب الله نصرًا دبلوماسيًّا كبيرًا للكيان، ولم يجرؤ أن يدَّعي أنه انتصر عسكريًّا، ولم يتمتع بجسارةِ الرئيس بوش الذي ادَّعى نصرًا للصهاينة لم يزعموه هم لأنفسهم وكأنه يعيش في عالمه الخاص بعيدًا عن عالم الناس.

 

وخلاصةُ القول، أنه في الوقتِ الذي تجاوز فيه الزمن والأحداث نزع سلاح الحزب وحله، بل أدَّى صموده وانتصاره الهائل على الكيان الصهيوني وتعريض مستقبله لخطرٍ حقيقي يستدعي الاحتفال به وتعزيزه وتقدير دوره، حتى إنَّ ماليزيا اقترحت رسميًّا أن تقوم الدول الإسلامية بتزويد حزب الله بالإسلحة فإن الكيان الصهيوني يعول الآن على طرقٍ ثلاثة للقضاء على حزب الله: الطريق الأول هو تأليب القوى اللبنانية التي احتشدت من قبل في مواجهةِ حزب الله المتحالف مع سوريا لكي تحول مؤشر العداء للحزب هذه المرة.. فإذا كان تحالف الحزب مع سوريا المتهمة بقتل الحريري يُثير الغبار حول محالفة عدو لبنان وقاتل رمزٍ من رموزه كما ادَّعت واشنطن والكيان والقوى المؤيدة لهذه النظرية، فإنَّ الحزبَ الآن حارب العدوان الصهيوني وصده ولقَّن الصهاينة درسًا، فهل عداء الحزب لللكيان الصهيوني  أيضًا يجعله عدوًا لهذه القوى اللبنانية؟ وهل تشترك هذه القوى فعلاً وتخلص في تطبيق القرار 1701 الذي تكفَّل بتنفيذ مطلوب القرار 1559 وهو محاصرة حزب الله؟ تعلم هذه القوى جيدًا أنَّ الكيانَ الصهيوني يخطط لإذلال لبنان والهيمنة عليه بعد أن فصل المسارين لسوريا ولبنان ولم يكن خطف الجنديين الصهيونيين من جانب حزب الله إلا ذريعة لتنفيذ مخططه في لبنان تحت عنوان القضاء على الحزب.

 

تعلم هذه القوى كذلك أن إسرائيل تراهن عليهم في تنفيذ ما عجزت عنه بالقوة، وأنه يود دفع البلاد إلى حربٍ أهلية يستغلها في جعل لبنان هذه المرة ساحة حقيقية لصراعٍ إقليمي بحجةِ التدخل للقضاء على حزبِ الله، وكأنَّ القضاءَ عليه أصبح أمرًا مشروعًا، فهل توافق هذه القوى على هذا المخطط الذي ينال من الجميع؟ تعلم هذه القوى أيضًا أن واشنطن التي قصدها السياسيون اللبنانيون يلتمسون منها النجدة والعون والبركة والسند لدعم استقلال لبنان وسيادته في مواجهة سوريا وحزب الله هي نفسها واشنطن التي رفضت وقف أعمال الإبادة الصهيونية حتى ينتهي الصهاينة من المزيد منها، فهل كان الكيان يبيد دولةً أخرى غير لبنان التي تباكت واشنطن وفرنسا على استقلالها وسيادتها؟

 

وتعلم هذه القوى رابعًا أن حزب الله قد جعل لبنان نموذجًا للكرامةِ والصمود وإذلال العدو، فهل أنتم تعتقدون أنَّ الحزبَ استخدم جسد لبنان كما يقول لكم الصهاينة، وكما سمعته من بعضكم لكي يدافع عن بقائه؟ وهل ظهر حزب الله في المكان الخطأ والزمن الأسوأ وهل تعتبرون أن لبنان بلد مسالم لا يهمه الاحتلال والاستسلام ولا يريد مقاومة تسبب له الكوارث، وأنه يفضل الازدهار على الكرامة بهذا المعنى الذي تروجه أنظمة عربية حولكم فلم تحقق لشعوبها الحرية والازدهار في الداخل ولا الكرامة مع الخارج؟

 

وأخيرًا، أنتم تدركون قطعًا أن وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان حمل لبنان أكثر مما يحتمله جسده النحيل، فأيَّد البعض أن يخرج الاحتلال هذه المقاومة، ولكنّ حزب الله مختلف لأنه لبناني، وهو جزء من الشعب والأرض، فهل أنتم مستعدون لتقسيم لبنان الصغير بينكم أم أنكم تتفاهمون مع الصهاينة ضد جزءٍ من شعبكم وأرضكم؟!

 

هل أدلكم على حلٍّ سحري لهذه المعضلة: إذا كنتم لا تزالون تتوهمون أن لكم وزنًا عند بني صهيون وواشنطن فأقنعوهما برحيل الكيان الصهيوني من أرضكم، واتفقوا على تطعيمِ جيشكم بعناصر المقاومة دفاعًا عن أي عدوانٍ محتملٍ أو استخدام للقوة لإذلاكم وقهركم على علاقة أو تسوية لا يقبلها شعبكم.. إذا كان لكم الحق في الاعتقاد بعد ذلك بما ترون من أفكار فتذكروا أنكم جزءٌ من مجتمعٍ يرى غير ما ترون.

 

إنَّ حزبَ الله الذي كان من قبل الحملة الصهيونية حزبًا لبنانيًّا أصبح يُمثِّل برمزه وقيمه كل العالم العربي والإسلامي وشرفاء العالم حتى فنزويلا، وحيث أراد الصهاينة القضاء عليه.