الكثير من الجدل يدور حول سلاح حزب الله على المستوى اللبناني والإقليمي، وعلى المستوى العربي والإسلامي، والحديث في لبنان يدور حول أحقية فصيل في حيازة السلاح خارج إطار الدولة، كما يدور حول دور هذا السلاح بالعلاقة مع الدور السوري والإيراني في المنطقة.
وعلى المستوى العربي يكثر الحديث عن الدور الإيراني الشيعي في المنطقة، وكأنه دورٌ في مقابل الدور أو الوجود السني العربي، وعلى المستوى الدولي نجد تركيزًا على المحور الإيراني السوري في علاقته بحزب الله، وكأنَّ سلاحَ حزب الله هو ذراعٌ عسكريٌّ للمحور الإيراني السوري.
وفي داخل المعادلة اللبنانية يُنظر أحيانًا- وربما كثيرًا- لسلاح حزب الله ضمن المعادلة الطائفية اللبنانية بوصفه يمثِّل ثقلاً للطائفة الشيعية في مواجهة الطوائف الأخرى، ويرى البعض أن سلاح حزب الله يجعله دولةًَ داخل الدولة، وبالتالي يتمكَّن من خلال حيازتِه للسلاح مِن فرض موقفِه السياسي والعسكري تجاه العدو الصهيوني، كما يرى بعض اللبنانيين أن سلاح حزب الله جزءٌ من الدور السوري والإيراني في الشأن الداخلي اللبناني، وأن هذا السلاح يعمِّق من تأثير المحور الإيراني السوري على السياسة الداخلية اللبنانية.
وتلك التصورات تقوم أساسًا على قياس للمحاور والقوى ومدى نفوذ كل طرف، سواءٌ في المعادلة السياسية الداخلية في لبنان أو المعادلة الإقليمية، ولكنَّ النظر لسلاح حزب الله بهذه الصورة يقوم على افتراض بأنه سلاحٌ لميلشيا تستخدم السلاح من أجل تأكيد دورها ووزنها السياسي.
وتلك النظرة في تصورنا بعيدة عن الحقيقة؛ لأن سلاح حزب الله موجَّهٌ أساسًا للتهديداتِ العدوانية من الكيان الصهيوني، وبالتالي فهذا السلاح ليس جزءًا من معادلة القوة السياسية الداخلية، خاصةً أن حزب الله ككيان سياسي له ثقله الحقيقي في الساحة اللبنانية، ويمثِّل كتلةً سياسيةً منظمةً، ولعله من أَهَمِّ وأكبرِ الكتل السياسية في لبنان، والدَّور السياسي لحزب الله على الساحة اللبنانية هو حقيقةٌ لا يمكن تجاهلها، وهو جزءٌ من التركيبة الاجتماعية والسياسية اللبنانية، سواءٌ كان لديه سلاح أم لا!!
وكل الأطراف في الساحة اللبنانية تدرك هذه الحقيقة؛ فسلاح حزب الله ليس سببَ قوتِه السياسية، بل ترجع هذه القوةُ إلى حضورِه الجماهيري الواسع بين الشيعة، وعليه نرى أن سلاح حزب الله هو جزءٌ من توازن القوة، أو توازن الرعب بين لبنان من جهة وقوى الاحتلال الصهيوني، والسلاح بهذا المعنى موجَّه في ساحة الحرب إلى الكيان الصهيوني، ويهدف إلى استعادة الحقوق اللبنانية من العدو.
ولكن على مستوى النزاع العربي الصهيوني يحاول البعض التأكيد على أن سلاح حزب الله يصبُّ في مصلحة سوريا وإيران، وتلك في الواقع نظرةٌ ضيقةٌ، بل نقول إنها مغالطة حقيقية؛ فسلاح حزب الله ليس موجَّهًا للقوى السياسية العربية في المنطقة، بل هو ضمن جبهة المقاومة والممانعة العربية والإسلامية ضدَّ الكيان الصهيوني، وسوريا وإيران دولتان داعمتان لحزب الله، وهما مصدران مهمان للدعم، سواءٌ المعنوي أو المادي، وربما تكونان بالتالي مصدرًا مهمًّا لسلاح حزب الله، ولكن هذا الدعم ليس ضد الوجود السني العربي، بل ضد المشاريع الصهيونية والأمريكية في المنطقة، والانتماء الشيعي الغالب على جبهة المقاومة السورية الإيرانية ليس مقصودًا في حدِّ ذاته ليصبح مشروعًا شيعيًّا ضد مشاريع أخرى سنية.
ولعله من الخطأ في هذا المجال الحديثُ عن شيعيةِ حزب الله، وسُنِّيةِ حركة حماس، فالأصح أننا بصدد مشروع للمقاومة، وهذا المشروع يضم الفصائلَ والأنظمة التي تؤيِّد عمل المقاومة، وتواجه المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة، ولا نظن أن هناك اختلافًا بين الدعم السوري والإيراني لحركة حماس، ودعمهما لحزب الله، فسلاح المقاومة في كل الحالات يفيد جبهةَ المقاومةِ العربية الإسلامية، بغضِّ النظر عن الانتماءات الطائفية، ومن هنا علينا النظر لسلاح حزب الله بوصفه جزءًا من مشروع المقاومة، وبالتالي فهو جزء من المكونات المقاومة للأمة، وليس جزءًا من محور من محاور الأمة.
والحقيقة أننا بصدد محاور من نوع آخر، وليست محاورَ سنيةً وشيعيةً، بل محاورَ تتحدَّد من خلالِ الموقف من مسألة المقاومة والممانعة، بوصفها مشروعًا للأمة، فهناك محور الاستسلام العربي، وتدخل فيه معظم الأنظمة العربية، وهناك محور المقاومة والجهاد، وتدخل فيه كل حركات المقاومة ومعها الأنظمة العربية أو الإسلامية، التي ما زالت تدعم المقاومة.
ومحور المقاومة يعبِّر في الواقع عن الأمة، فالشعوب تنحاز للمقاومة أكثر من انحيازها للاستسلام، وإذا كانت بعض الأنظمة يَفرض عليها الواقعُ الدولي والإقليمي أوضاعًا فيصعب أن تُفرض تلك الأوضاعُ على الشعوب، والتي تميل عادةً إلى الحفاظ على حقها بأي صورة من الصور.
لهذا علينا النظرُ لسلاح حزب الله بوصفه سلاحًا للأمة في مواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي، وهو بالفعل كذلك، نعني بهذا أن سلاح حزب الله يقوم بدوره في مواجهة العدوان على الأمة، ويغيِّر معادلةَ التوازن بين الأمة وأعدائها. وقوة سلاح حزب الله تصب في صالح الأمة، ولا تصب في مصلحةِ شريحةٍ من الأمة العربية والإسلامية ضدَّ شرائح أخرى، ولذلك علينا النظر لحزب الله من هذه الزاوية، سواءٌ على المستوى العربي والإسلامي أو على المستوى اللبناني، فسلاح الحزب هو جزءٌ من جبهة المقاومة، وبالتالي فهو لا يصبُّ في مصلحة محور الاستسلام، بل يصب في مصلحة محور المقاومة، أي مصلحة الأمة.