بقلم: الدكتور جابر قميحة
أصبح في مصر الآن هيئةٌ يمكن أن نطلق عليها "هيئة التدليس الصحفي" وأهم الملامح الفكرية التي تجمع بين هذه الهيئة:
1- سطحية المعالجة للموضوعات التي يكتبون فيها.
2- "البوقية المردّدة" فكل منهم بوقٌ يردِّد صوت السيد أو الأسياد من سلاطين الحكم، والمتحكِّمين في مسيرة هذا الشعب ومقدراته.
3- التأويل الفاسد للنصوص، وقلب الحقائق وتوجيهها بما يُرضي النظام، وكل أولئك على حساب القيم والموروثات الخلقية لشعبنا.
4- التعميم الانتفاشي الكاذب ومظهره استخدام عبارات مثل: "والشعب كله يعلم.." و"كل المصريين كشفوهم وفضحوهم" و"الأمة كلها أدركت كذا" وكأنه قام بعملية استقراء وإحصاء شامل، خرج منه بهذه النتيجة.
5- الغلوّ والتطرف في المجاملة ومَسْح الجوخ، وتدليك عواطف الكبار، وكذلك في الحقد والكراهية، والإزراء بكل من يعارض النظام ولا يسايره.
وللأسف الأسيف أصبح أعضاء هيئة التدليس الصحفي أصحابَ أكبر حظوة، وأقوى نفوذ، وأعلى صوت، ومِن ثم أجد من حقِّي وحق كل قارئ أن يتحدَّى هؤلاء، معلنًا أن واحدًا منهم لم ينقد وضعًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا، إذا أدى هذا النقد إلى إغضاب واحد من رجال السلطة أو تعكير مزاجه.
وإليكم "سرايا" الأهرام نموذجًا
كان شعار الإخوان (الإسلام هو الحل) من أهم المبررات التي أصابت هؤلاء الكتَبة بالسُّعار للهجوم على الإخوان وشعارهم ، فهو من وجهة نظرهم شعارٌ تعصبيٌّ، ويفرِّق ويُحدث الفتنةَ بين عنصري الأمة، ويُوحي بحرص الإخوان على الاتجار بالدين، وهو ضد القانون، وموروثات الأمة، وخلط بين الدين والسياسة..و.. و.
ويكفي في نقضِ كل هذه المزاعم والافتراءات أن أذكِّر هؤلاء بأن القَضاء قد أقرَّ هذا الشعار، ورفَض كلَّ اعتراض وطعَن فيه، وأُحيلُ هؤلاء إلى ما كتبه مفكرو الإخوان وعلماؤهم في نسْف كلِّ هذه الادعاءات مثل الدكتور محمد مرسي والدكتور جمال نصار.
وكان على هؤلاء "المسعورين" أن يحاكموا عشراتٍ من العلماء والباحثين الغربيين المنصفين الذين اعترفوا وعرضوا باقتناع وقناعة مضمونَ هذا الشعار، ومن هؤلاء الفيلسوف الأيرلندي جورج برنارد شو الذي كتب يقول- مما يزيد على قرن مضى-: "ما أحوج العالم لرجل كمحمد- نبي المسلمين- يحلُّ مشكلاته المختلفة، وهو يشرب فنجانًا من القهوة" إنه نفس المضمون الذي يحمله شعار (الإسلام هو الحل)، وإن جاء أوسع مدًى فنظر إلى الإسلام -أي الرسالة المحمدية- كحل لمشكلات العالم كله.
ولكن السيد أسامة سرايا- فارس الأهرام- يسخَر من هذا الشعار، ويغالِط الحقَّ والحقيقة، فيزعم أن شعار الإخوان (الإسلام هو الحل) تحوَّل إلى نكتة في الشارع المصري (الأهرام 28/10/2005)، وهذا ادعاء وكذب بَواح، وما ذنب الإخوان إذا كان "سرايا" قد أغلق أذنيه وعينيه، حتى لا يرى ما رأينا من أطفال وفلاحين من عامة الناس، وهم يردِّدون (الإسلام هو الحل) في أعماق الريف المصري شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا؟!
أما النكت الشعبية فلم نسمعها إلا عن الحزب المسمَّى بالوطني وشعاراته، وآخر نكتة سمعتها من فلاح في قرية بأقصى شمال الدلتا، والنكتة هي: ذهب أحد المواطنين إلى صفوت الشريف وقال له: أُعطيك خمسة آلاف جنيه لو فهَّمتني "فكر جديد للعبور إلى المستقبل يعني إيه"؟! فقال له صفوت: "أنا بقى هديك عشرة آلاف جنيه لو فهمتني أنت معنى هذا الشعار"!!والمعروف أن النكتة الشعبية- السياسية بالذات- تتسم بالعفوية والمصداقية، وقوة الإيحاء والدلالة.
والبرنامج.. يا سرايا
ويستمرئ "سرايا الأهرام" الافتراء والمغالطة، فيزعم أن "الإخوان في كل الانتخابات التي خاضوها لم يطرحوا برنامجًا سياسيًّا واحدًا يستجيب لمشكلات أو طموحات المستقبل" (الأهرام 28/10/2005)، وهذا كذب بَواح، فالإخوان لم يخوضوا أي انتخاب إلا اعتمادًا على برنامجٍ واضحٍ مفصَّلٍ مبنيٍّ على أسس علمية واقعية، وأنا أكتب مقالي هذا وبين يديَّ البرنامج الانتخابي للإخوان (2005) من 94 صفحة، وقد طُبِع ووُزِّع بمئات الألوف.
وما زال الحقد مستمرًّا
وهالَ سرايا ما رآه من ازدياد شعبية الإخوان حتى قال أحد المراسلين الفرنسيين: "الشارع المصري لا يشغله الآن إلا (إخوان مسلمون) وآخرون".
ورأى ما عليه الإخوان فيما جمعوه من مساعدات للفلسطينيين واللبنانيين، وتوعية الشعب في أنحاء الوطن بأبعاد القضية، وطبيعة الجهاد في لبنان وفلسطين، رأى سرايا كلَّ أولئك فتفجَّر غيظًا وحِقدًا لإرضاء السادة، وهاجم الإخوان هجومًا مشكوفًا خائبًا.
ويستسيغ الكذب ويستمرئه، زاعمًا أن المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين "المحظورة" اختزَلَ الإسلام في جماعته، والحركات التي ترفع شعاراته، نافيًا عن غيرها العملَ في ظلِّ هديِ الإسلام (الأهرام: الجمعة 11/8/2006م).
ويسقط "سرايا" في التناقض بعد ذلك مباشرةً، فينقل عن المرشد قوله: "إننا لا ننفي دورَ المناضلين غير الإسلاميين في مقاومة المشروع الصهيوني- الأمريكي، بل إننا نقدِّر جهاد كل الفصائل الوطنية في التصدي لهذا المشروع" (الأهرام السابق).
وبهذا وجد سرايا نفسَه بهذا التناقض في حرَجٍ فحوَّل الحديثَ إلى وجهةٍ لا علاقةَ لها بالموضوع وسأل المرشد: هل مَن يُقتل من هؤلاء يُعتبر شهيدًا أو يعتبره الإخوان مجرَّدَ قتيل لأنه لم يكن يومًا من جماعة الإخوان المسلمين؟!
ويأخذ عن المرشد أنه في خُطبه وكتاباته تناسَى دورَ الرجال الذين عبَروا قناة السويس في أكتوبر 1973م، والذين خاضوا معاركَ كثيرةً في حروب 48، 56، 1967، وحرب الاستنزاف، ويسأل المرشد: هل مَن سقط منهم في الحرب يُعتبر شهيدًا أو لا؟!
وأمام هذه السذاجة الدميمة أراني أقول: يا سرايا، يا سيد سرايا، إن المرشد العام فيما قال وكتب لا يؤرِّخ لفترة امتدَّت أكثر من نصف قرن.. كما أنه لا يقف موقف المفتي الشرعي، في استطراد لا لزومَ له، ومنطق المرشد منطق واقعي واضح، كالذي رأى حريقًا يلتهم مبنًى كبيرًا وجعل كلَّ همِّه الدعوة القوية الصارخة لإطفاء الحريق، أما منطقك يا "سرايا الأهرام" فيذكِّرنا بمنطق كل من كان واقفًا خارج المبنى ويقول: علينا أولاً أن نبحث عن أسباب الحريق، وندين الذين أشعلوه أو أغفلوه ثم بعد ذلك نقوم بإطفائه.
يا سرايا: إن منطق المرشد يرتكز على الواقع المأساوي المشهود، زيادةً طبعًا على منطق الدين القيم، الذي يقول كتابه ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِيْنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (التوبة: من الآية 6).
أين المزايدات يا سرايا؟!
وامتدادًا لمنطق السذاجة نرى "سرايا" يَعتبر من قبيل المزايدات تصريحَ المرشد الذي أعلنَ فيه استعدادَه لأن يمدَّ حزب الله بعشرة آلاف مقاتل (الأهرام السابق)، وأين المزايدة هنا والرجل قد أعلن ذلك مراتٍ متعددةً؟! بل إني أقول لو أن الحكومة المصرية والحكومات العربية سمحت بذلك لرأيت الإخوان يقدمون مائة ألف لا عشرة آلاف، ولعل سرايا نسي- بل تناسى- البطولات والتضحيات التي قدمها الإخوان في فلسطين سنة 1948م، وفي القنال في أواخر الأربعينيات، وأوائل الخمسينيات، وكان الأستاذ عاكف واحدًا من هؤلاء المجاهدين، وتناسَى "سرايا الأهرام" أن أصدق المجاهدين وأقواهم وأثبتَهم وأكثرَهم ضحايا في فلسطين هم الإخوان المسلمون، المتمثلون في حماس.
ولا عجبَ إذن أن واحدًا من هيئة التدليس الصحفي اسمه عبد الرحيم علي يكتب بالحرف الواحد "قامت الجماعة بتشكيل هذا الجيش الصغير لتُزايد على الحكومة به، ثم تستخدمه بعد ذلك في صراعها الداخلي، فالإخوان لم يقدموا حتى الآن رؤًى واضحةً حول تحرير البلدان المغتصبة، أو الخلاص من الكيان الصهيوني، اللهم سِوى الشعارات للمزايدة وللمزايدة فقط" في محاولةٍ لكسب وُدِّ الرأي العام، وتجييش الشباب الغاضب ضمن صفوفهم، هذا هو الهدف وتلك هي الوسيلة" (الأهرام الإثنين 7/8/2006م).
وبفوقية مرفوضة يصف "سرايا" مرشد الإخوان بـ"الشيخ"، ومن سذاجته أن يجهل أن إلصاقَ هذا الوصف بمرشد الإخوان يُعدُّ تشريفًا لرجل لم يتعلم في الأزهر، وأقول لسرايا- حتى يتخلَّى عن "فوقيته المرفوضة"- إن كلمة "شيخ" كلمةٌ شريفةٌ ترتبط بالعقل لا بالسن، فيقال "شيوخ قريش" أي حكماؤهم، ويقال حكم "الشيخان" بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أي أبو بكر وعمر (رضي الله عنهما)، ويقال في مصطلح الحديث "رواه الشيخان" أي البخاري ومسلم، ولا يُطلق كلمةَ "الشيخ" في الحديث الدارج على سبيل السخرية إلا الجهلةُ والعوام.
حزب الله العميل!!
وكبار رجال الحكم الصهيوني يزعمون أن حزب الله يقاتل بأمر إيران التي اختارت له هذا الوقت بالذات لتخفيف الضغوط الأمريكية والغربية ضدها بسبب برنامجها النووي.
ويكرر سرايا هذه الرؤية نفسها، ويحذِّر العرب من انتصار حزب الله فيقول: "إذا حقَّق حزب الله شيئًا من النصر المعنوي فإن جزءًا من مقدرات العرب سوف يخضع لحكومات مجاورة، لها في الجسد العربي أولياء تراودهم أحلام من التاريخ الوسيط والقديم، بالسيادة العرقية والمذهبية، ويبدو أن هذه الحقيقة غائبة الآن، إلى حدٍّ ما، وسط موجة الغضب والانفعالات السائدة، وعلى الذين يتشكَّكون في ذلك مراجعة زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى لبنان" (الأهرام 11/8/2006م).
وأقول لسرايا: بل إن حزب الله حقَّق على الكيان الصهيوني انتصاراتٍ معنويةً وماديةً صارخةً باعتراف الصهاينة أنفسهم، وكنت أتمنى أن يتحدث سرايا عن عِمالة الأنظمة العربية للأمريكان، بل عِمالة بعض وزراء الخارجية العرب للصهاينة، وهل زيارة وزير خارجية إيران للبنان تدل على عمالة حزب الله؟! وما رأي سرايا في الخبر التالي الذي نُشر بتاريخ 12/8/2006 في صحيفة (الشرق الأوسط) ونصه- وقد عرض في موقع (دنيا الوطن)-: "نشرت صحيفة "الشرق الأوسط" الصادرة في لندن اليوم تقريرًا على لسان مصدر "إسرائيلي"، جاء فيه أن وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني وصل إلى مؤتمر وزرارء الخارجية العرب في بيروت مطلع الأسبوع عن طريق تل أبيب؛ إذ وصل الوزير القطري إلى الكيان الصهيوني وأمضى أربع ساعات فيه، التقى خلالها مع عدد من المسئولين، بمن في ذلك رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي لفني ووزير الدفاع عمير بيرتس، وتباحث معهم في القضايا التي ستُطرح على مؤتمر الوزراء العرب ومجريات الحرب في لبنان ومستقبل العلاقات بين البلدين.
وكان المسئولون الصهاينة قد طلبوا من الوزير القطري أن يوضح لهم في تصريحاته بأن قطر مستعدةٌ لقطع العلاقات مع الصهاينة، في حالة اتخاذ قرار عربي جماعي في الموضوع يمنع علاقات لأية دولة عربية معها، فقال لهم إن الهدف من هذا التصريح كان إخراس أولئك الذين يستسهلون مهاجمة قطر بالذات بسبب علاقاتها مع "إسرائيل"، فيما لا يجرؤون على انتقاد مصر، أو الأردن، أو السلطة الفلسطينية على علاقاتها، وأكدت المصادر أن الوزير القطري توجَّه من مطار تل أبيب مباشرةً إلى بيروت وسط مرافقة طائرتين صهيونيتين.
لقد قدم نصر الله ابنه الأكبر شهيدًا.
ولأول مرة- يا سرايا- نرى زعيمًا عربيًّا يُرعب الكيان الصهيوني، ويُدخل مليونًا منهم في الحُفَر والمخابئ.
ولأول مرة- يا سرايا- نرى زعيمًا عربيًّا يقول ويفعل ويحدِّد المواقع التي سيضربها بالصواريخ، ويصدُق في وعيده.
ولأول مرة- يا سرايا- نرى الجنود الصهاينة يبكون في هلع وقد أصابهم اليأس والذهول والانهيار.
ولأول مرة نرى المجتمع الصهيوني- يا سرايا- يطالب بإقالة رئيس الوزراء بعد انكسار القوات الصهيونية.
وأخيرًا- يا سرايا- هلا رجعت إلى ما كتبه الأستاذ فاروق جويدة تحت عنوان "السلام ومواكب المنتفعين" وفيه يقول:
"إن حزب الله انتصر في معركته؛ لأن الحرب كانت بين عقيدتَين قتاليتَين، كل واحدة منها ترى أنها على حقٍّ، إن "إسرائيل" ترى أن الوطن لها، وحزب الله يرى أن الوطن يستحق الشهادة، وعندما يموت الإنسان في سبيل الوطن فليس لديه شيءٌ أغلى منه، فهل أجيالنا الجديدة وجدت هذا المعنى طوال الربع قرن الأخير في ظل السلام الواهي؟!" (الأهرام 11/8/2006م).